لم يكن تكليف ملك الأردن، عبد الله الثاني، هاني الملقي تشكيل حكومة جديدة، بعد استقالة حكومة عبدالله النسور في الأيام الماضية، إلا خطوة مترافقة مع حل مجلس النواب، ما يعني أن البلاد مقبلة على انتخابات نيابية جديدة في ظل حكومة تسيير أعمال.

لكن الملقي الذي ظهر بقوة عام 1994 خلال رئاسة الوفد الأردني المشارك في توقيع معاهدة التسوية بين الأردن وإسرائيل، تلقف من حكومة النسور ومجلس النواب المحلول آخر القوانين المقرّة، باعتبارها أسوأ قرار تطبيعي تورط فيه غالبية النواب، وتحديداً في ما يسمى قانون "صندوق الاستثمار" الذي لم يستثن الاحتلال من سياق الاستثمارات العربية والأجنبية على الأراضي الأردنية.
بهذا التكليف، يجدد الملقي العهد بإرث والده فوزي الملقي، أول رئيس وزراء في عهد الملك الراحل الحسين، وذلك في تثبيت لقاعدة التوريث الأردنية في رئاسة الحكومة، "ابن الوزير وزير، وابن الحراث حراث"، كما يقول المثل الشعبي هنا.
الرئيس هذه المرة من أصول سورية، ولا ينتمي إلى أي من العشائر الشرق ــ أردنية الكبيرة، وقد كان رئيساً لمنطقة العقبة الاقتصادية المطلة على البحر الأحمر، والمتمتعة بشبه إدارة مستقلة عن المركز في عمان. وعندما كان وزيراً للخارجية عام 2004، تردّدت على لسانه، وفي مقابلات الملك الأردني، مقولة الهلال الشيعي والتحذير منه. من هنا فسّر البعض عودة الملقي إلى رأس الحكومة بأنها تقارب من نوع آخر مع السعودية، بعدما صنف الأردن في السنوات الماضية على المحور المصري ـــ الإماراتي.
وهذا تفسير يؤيده المحلل السياسي عامر السبايلة، الذي يقول إن من أبرز مهمات الملقي تعزيز العلاقة مع السعودية والخليج، بل طلب كتاب التكليف من حكومة الرجل "مواصلة بناء علاقات اقتصادية متينة مع الأشقاء العرب، والبدء بالتحضير لعقد اجتماعات المجلس التنسيقي ـــ السعودي الأردني في أقرب وقت".

رئيس الوزراء الجديد شارك بفعالية في مباحثات التسوية مع إسرائيل

وفي ظل تزامن هذا التكليف مع طرح مبادرة جديدة للتسوية ضمن مناخ في المنطقة يتشكل لتفعيل مفاوضات التسوية بين الإسرائيليين والسلطة الفلسطينية، من المهم معرفة أن "الملقي الذي كان على رأس الوفد الأردني في مفاوضات السلام، ليس من السياسيين المشاغبين، بل من المسؤولين التكنوقراط غير المحافظين"، يقول الصحافي في صحيفة "الرأي" شبه الرسمية في المملكة، محمد الزيود، مضيفاً أن هذه الشخصيات من "النوعية التي يفضّلها الملك".
لكن الكاتب معاذ البطوش يخالف السبايلة والزيود، ويرى أن مجيء الملقي خالٍ من أي أجندة، وإنما استطاع الرجل تسويق نفسه كشخصية ناجحة اقتصادياً عند زيارة الملك إلى العقبة مؤخراً، وهو ــ الملقي ــ يتمتع "بمرونة في عمله العام بخلاف سلفه عبدالله النسور".
وفي الأردن، باتت الحياة السياسية منزوعة الدسم، لأن حالة من الفرح والارتياح أصابت الشارع بعد إعلان الديوان الملكي حل "النواب" وقبول استقالة النسور، وهي حالة متكررة عقب رحيل كل حكومة أردنية. كذلك لا يعاني الشارع من أيّ تحريض في ظل غياب "الإخوان المسلمين" بسبب خلافاتهم وإغلاق مكاتب الجماعة.
رغم ذلك، يرى الخبير الاقتصادي مازن مرجي أن على الأردنيين ألا يفرحوا كثيراً، لأن "تغيير الحكومات، وتبدّل الوزراء أثقل الموازنة الآتية من الضرائب المعتمدة على أموال الناس، أو من المساعدات الخارجية". ويشرح أن "البلاد تعاني سياسة التوزير المعتمدة على التنفيع والفساد، في حين أن أكثر ما يحتاجه اقتصاد المملكة خطوات عملية في سبيل وقف هدر المال العام".
كذلك يتفق معه الكاتب إسلام صوالحة، الذي يقول إنه "في بلد فقير يعيش على المساعدات الخارجية، الحل هو قانون تقاعد الوزراء... مثلاً وزيرا الداخلية والتنمية السياسية السابقان، لم يمض على انضمامهما إلى حكومة النسور المستقيلة سوى أربعين يوماً، ورغم ذلك نالا لقباً وراتباً تقاعدياً مدى الحياة".
ووفق مراقبين للشأن العام، فإن إبقاء التقاعد للوزراء بشكله الحالي يمس العدل الاجتماعي، ويفاقم الأحقاد الطبقية، ويقترحون في المقابل ضم سنوات الخدمة الوزارية لخدمة الوزراء ضمن الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص، أو العمل في الحكومة قبل التوزير.
إلى ذلك، يرى الإعلامي حسام غرايبة "أن الأردنيين يتوقون إلى حكومة فعالة تستمر لسنوات أربع، تتمكن من رسم الخطط وتنفيذها على أرض الواقع، لأن متوسط عمر الحكومات منذ تأسيس الامارة، لم يتعدّ سنة واحدة، وسياسة تبديل الحكومات لم تغيّر مواقف المملكة في الملفات الخارجية". ويضيف: "الإشكالية الحقيقية تكمن في آلية اختيار رئيس الوزراء، وآلية تغيير الحكومة".