«هل تستطيع التحدث بالعبرية؟»، يوجه مراسل إحدى القنوات الإسرائيلية سؤاله إلى الشاب الفلسطيني علاء زيود، فيما يشيح الأخير نظره عنه باتجاه زملائه الحاضرين في قاعة المحكمة المركزية في مدينة حيفا المحتلة. يصّر المراسل مجدداً، لكن بالعربية هذه المرّة. «بتعرف إنو الحكم 25 سنة؟»، يأتِ الرّد حاسماً : «الحكم حكم ربنا بس». يكرر المراسل طلبه: «هل يمكنك قول ذلك بالعبرية؟»، فتخرج الإجابة من قلب الشاب الذي ارتدى زي السجن، متجهزاً للحكم الجائر: «نموت وقوفاً!».

ثلاثة خطوط حفرتها الشهور السبعة من الاعتقال والتحقيق عميقاً في جبينه. هي في ميزان علم الفراسة، تقدر اجتيازة الخانة الثلاثين من العمر. لكن في الواقع هو ابن العشرين ربيعاً فقط! أي إن أحلى سنين عمره ستحاصرها لـ25 عاماً مقبلة جدران السجن! سيتعلم زيود ممن سبقوه إلى الأسر، من فدائيي ما قبل اتفاق «أوسلو» حتى يومنا هذا، ومن الأسرى الأصغر عمراً منه، كأحمد مناصرة (14 عاماً) أو شادي فراح (12 عاماً)، وقد يتخذ زميلاً له من «أبناء المنطقة» كالأسير وليد دقة المحكوم بالمؤبد، وقد يصادف الأسير مروان البرغوثي أو أحمد سعدات، وقد يقرأ عبارة تركها الشهيد سمير القنطار أثراً على جدار زنزانته. كما سيجد كثيرين يتجاوز عديدهم الستة آلاف، من الذين قسّم الظُلم إرثه عليهم!

طريق الأسر... من هنا بدأت

إسرائيل تحكم على الشاب علاء زيود بـ25 عاماً في الأسر

قاد زيود (مدينة أم الفحم في الأراضي المحتلة عام 1948) سيارته في ليلة السابع عشر من تشرين الأول الماضي، في الشارع الرقم 65 القريب من مدينة الخضيرة، ولكن مركبته اصطدمت بواحدة أخرى فيها 4 جنود إسرائيليين. وقع الصدمة لم ينتهِ هُنا، فقد ترجل الجنود من سيارتهم وبدأوا ضربه! لم يكن أمامه حل آخر سوى الدفاع عن نفسه. ولأن الحياة في إسرائيل جزء من واقع «قاب قوسين أو أدنى من الحرب»، وخصوصاً في تلك الفترة الزاخمة بعمليات الطعن، كان من البديهي أن يتنقل «المواطن» بسكين. فأخرج زيود سكينه وطعن الجنود المسلحين ببنادقهم (حتى لو لم يكن الجنود الإسرائيليون في قاعدتهم العسكرية لا يسيرون من دون سلاح).
هذه القصة كانت ستبدو عادية، وستجري معالجتها وفقاً للقانون الذي يحاسب الطرفين كل وفق ما فعله، هذا لو أنها ليست في إسرائيل، التي استغلتها لتقول إنه «دهس وطعن 4 من جنودنا»!
ويوم أمس، أصدرت المحكمة المركزية في مدينة حيفا المحتلة حكمها بالسجن 25 عاماً على زيود، بتهمة «تنفيذ عملية دهس تلاها طعن في شارع 65 القريب من مدينة الخضيرة، أدى إلى إصابة مجندة إسرائيلية بجراح خطيرة فيما أصيب ثلاثة آخرون بجراح متوسّطة». كذلك أدانته بـ«أربع محاولات قتل، وحيازة سكين على خلفية عنصرية». لم تكتفِ بهذا فقط بل غرمته بدفع 90 ألف دولار أميركي تصرف كتعويضات لجنودها المصابين!

قرار بسحب الجنسية

أمّا الجنسية الإسرائيلية التي يحملها زيود بصفته فلسطينيا يعيش في أراضي الـ48، فيُتوقع أن تسحب منه، بعدما قدمت النيابة العامة في حيفا، الأحد الماضي، طلباً إلى المحكمة المركزية، بسحبها منه، وذلك في ظل سحبها من وزير الداخلية الإسرائيلي السابق، سيلفان شالوم (الذي استقال بعد سلسلة فضائح جنسية)، والمستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، أفيحاي مندلبليت. وفي مطلع آذار الماضي أعلن وزير الأمن المستقيل موشيه يعالون، نيته سحب مواطنة زيود بموجب السلطة الممنوحة له وفقاً لـ«قانون المواطنة».
في السياق، طالبت منظمة «العفو الدولية»، وزير الداخلية الإسرائيلي، أرييه درعي، بالعدول عن قرار سحب جنسية زيود. وقالت في رسالة بعثت بنسخة عنها إلى مندلبليت، إن «تنفيذ هذه القرارات يعدّ مساً صارخاً بالحق في المواطنة والحقوق المترتبة عليها، وفق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان».
وأضافت المنظمة الحقوقية أنه في «السنوات الأخيرة جرت عمليات سحب الجنسية على نحو واسع وتعسفي، وكجزاء على اقتراف عمل إجرامي، وذلك خلافاً للقانون الدولي، الذي يسمح باستخدام هذا العقاب في حالات خاصة جداً»، مشيرةً إلى أن أعمال زيود لا تندرج ضمن هذه الحالات الخاصة.
كذلك أكدت الرسالة أن القاعدة التي يسير عليها القانون الدولي هي الامتناع عن سحب جنسية الأفراد، لأنه سيتبعها انتهاك صارخ لحقوق الإنسان الأساسية، مثل الحق في اختيار مكان السكن، أو في التنقل وحق الإنسان في الكرامة والاحترام، وكذلك المس بحقوق أخرى كالحق ببناء عائلة، وتوفير خدمات صحية والحق في التعليم.