«صرنا مثل العصافير، حريتنا محاصرة بقفص صغير داخل قفص ثانٍ أكبر قليلاً»، هكذا يلخص أهالي قرية حزما، الواقعة شمال شرق القدس المحتلة، حياتهم، بعدما شارف الاحتلال الإسرائيلي على الانتهاء من بناء جدار إسمنتي يفصل قريتهم عن الشارع الرئيسي الواصل بين شمال الضفة المحتلة، وجنوبها.

ويتذرع العدو بحجة «أمن مستوطنيه» لبناء الجدار الاسمنتي حول الجزء الغربي من القرية، لأن المنطقة، كما يعدّها، واحدة من النقاط الاستراتيجية بالنسبة إلى الفلسطينيين لرشق المستوطنين من الشارع الرئيسي بالحجارة، أو الطلاء، أو مثلا العبوات الناسفة، المصنعة يدوياً.
الاحتلال لم يكتفِ ببناء جدار اسمنتي واحد حول القرية، بل تعدى ذلك إلى بناء جدار آخر يلف الأول، فيما فصل بينهما بمتر واحد من الفراغ وحوّل أعلى كل منهما إلى نقاط مراقبة تحيطها أسلاك شائكة، ما أثر في سكان القرية بطريقة سلبية، فأصبحوا يحتاجون إلى سلوك طريق طويلة للدخول أو الخروج من قريتهم، كما فصل بين حزما وامتداد صغير لها في الجزء الغربي.

لا يُعطى حق البناء لأهالي القرية كي لا يصل عمرانهم إلى «بسغات زيئيف»

الحاجة رحمة نجيب أبو خليل، من سكان حزما، هي واحدة من الذين ذاقوا المُر بسبب إجراءات الاحتلال، لأنها بَنَتْ منزلها على الطريق الرئيسي المحاذي للقرية عام 1978، ومنذ ذلك الحين تنزل عليها لعنات الاحتلال الواحدة تلو الأخرى. تقول لـ«الأخبار»، «والله ما عمرنا تهنينا بهدار». فمنذ بناء عائلتها للمنزل اعتقلت قوات الاحتلال زوجها لعام كامل بحجة «البناء من دون ترخيص»، كما غرمتهم بمبلغ خمسة آلاف دولار أميركي. أمّا المستوطنون، فلم يتركوهم لحظة بلا استفزازات أو تهديدات لإرغامهم على بيع المنزل.
واستمرت سلسلة الهجمات على منزلهم في الانتفاضة الأولى والثانية، والهبة الشعبية الحالية، حتى بات اقتحام قوات الاحتلال منزلهم والتحقيق معهم جزءا من «العادات اليومية». تقول الحاجة أبو خليل: «منزلنا صار مكانا لجنود الاحتلال اللي بيحولوه لساحة حرب فيها القنابل والرصاص». وتضيف أنها لا تترك الشباك لحظة واحدة وهي تراقب أطفال العائلة خوفاً من أن يعتقل الاحتلال احدهم.
الجدار الجديد لم يفصل شطري القرية عن بعضهما بعضا فحسب، بل قطع حبل الوصل بين هذه المرأة وجيرانها ايضا، فلم يعد بإمكانهم زيارتها بسهولة كما كانوا معتادين، لأنهم الآن يحتاجون إلى قطع مسافة طويلة ليصلوا إليها.
وأضاف الاحتلال إلى جداره الاسمنتي الجديد حاجزين عسكريين على مدخلي القرية، وقد منع السكان لمدة أسبوعين كاملين من الخروج أو الدخول إلى قريتهم، وبعد هذا الحصار أبقى جنوده في نقاطه العسكرية على مدار 24 ساعةً.
الجدار الفاصل والحواجز والنقاط العسكرية أثرت أيضاً في الحركة الاقتصادية داخل حزما، التي تعتمد على نحو رئيسي على حركة المسافرين من شمال الضفة إلى جنوبها، فلم يعد النشاط فيها كما كان في السابق، وصار يفضل أصحاب «السيرفيسات» والمسافرون سلوك طريق التفافية من خارج القرية بسبب الاجراءات الاحتلالية المتعددة.
وتتعرض منازل المواطنين في حزما لحملات دهم يومية على يد جنود الاحتلال، حيث اعتقل 30 فلسطينياً من سكانها خلال شهر واحد. كذلك تعرضت محلاتها التجارية، الواقعة على الطريق الرئيسية، لحملات هدم مستمرة بذريعة «البناء من دون ترخيص»، وهو الحق الذي لا يُعطى أساساً لأهالي القرية خوفاً من أن يصل تمددهم العمراني إلى مستوطنة «بسغات زيئيف» الملاصقة لها.
ويعود تاريخ معاناة القرية إلى عام 1999، حينما فصلها الاحتلال عن مدينة القدس بواسطة حاجز عسكري، ليستكمل عام 2005 عملية الفصل بجدار الفصل العنصري الذي طوّق الضفة المحتلة، بعدما صادر 17 ألف دونم من أراضيها للبناء الاستيطاني، مبقياً ألف دونم فقط لأهالي القرية البالغ عددهم تسعة آلاف.