من لم يقض حياته بين جدران وهمية رسمها له الاحتلال، فلن يدرك معنى ان تشعر، ولو لأيام معدودة، بان لك امتدادا حقيقيا، انك لست وحيدا (ولو تخلت عنك الانظمة الفاسدة)، وان هناك شعبا عربيا حقيقيا، ما زال يذكر قطعة مسلوبة من جسده الضعيف.

عدت من إسطنبول احمل قلوبا في قلبي ووجوها في ذاكرتي لا اعلم متى اجتمع فيها مجددا. هذه اول مرة ازور فيها تركيا، بالتحديد اسطنبول، ولولا ان الزيارة كانت لغرض مؤتمر "تواصل" الثاني، الذي نظّمه "منتدى فلسطين الدولي للإعلام"، تحت عنوان فلسطين في الاعلام، لربما ما كنت لأزور تركيا، لا شيء ابحث عنه لنفسي هناك، وفلسطين اجمل على كل حال.
كان هذا قبل الزيارة، لكني مذ عدت من هناك اشعر كأني تركت نصف اهلي ورائي وعدت للنصف الاخر هنا. يا الله، لمَ تتعلق قلوبنا بمن لا نعرفهم؟ كيف تجمعنا الغربة وتفرقنا في آن واحد؟! إسطنبول جميلة، لكن فلسطين اجمل، اذا لم ابكِ على اطلالها اليوم؟ ربما لأنني هناك التقيت، ولأول مرة، الشعب العربي من المحيط الى الخليج، من موريتانيا وحتى البحرين، اول مرة كنت التقي فيها وجها لوجه هذا الكم من العرب من معظم الدول العربية، كانت فلسطين تجمعهم، كانت قضيتنا الاولى فلسطين، وانا لم اكن غريبة.
اذا فلأعد ترتيب اورقي الان وقد عدت الى فلسطين؛ في اسطنبول اجتمعت بالشعب العربي، شعبي، لأول مرة في حياتي، في تركيا التي لطالما قلت انها تحاول اعادة "مجدها" على حساب الوطن العربي، اتفق العرب مجددا على ان فلسطين ما زالت هي قضيتهم الاولى، وحين ضاق عليهم وطنهم الممتد من المحيط الى الخليج، جمعتهم الغربة. ربما في نهاية الامر، ورغم تخاذل الحكام والانظمة العربية، فان الشعب العربي فعلا ما زال يتفق على ان فلسطين هي قضيته الاولى، بمعزل عن التقسيمات الاقليمية والانقسامات الداخلية.
ولم يهم هذا؟ لان في العزلة التي يعيشها من بقوا هنا، في فلسطين المحتلة عام 1948، على مدى عقود طويلة ما يسمح للضعف بالتغلغل الى صفوفهم، ما يجعل من الاندماج في مجتمع المستعمر امرا اسهل واقل ضررا من العزلة الثقافية والانقطاع الاجتماعي عن بيئتهم ومحيطهم العربي الممنوع، ومع هذا لم تنجح كل هذه المحاولات، مع هذا ظلت الاغلبية صامدة برغم العزل. لكن الاهم من هذا ان كل الادعاءات حول كيف ساهمت معاهدات السلام بين اسرائيل والاردن او بين اسرائيل ومصر في التواصل العربي-العربي للعرب الفلسطينيين الذين بقوا في الاراضي المحتلة مع امتدادهم العربي الطبيعي خارج فلسطين ما هي الا ترهات ومبررات لمعاهدات باطله واستسلام مدفوع الثمن. نعم استطيع ان ازور الاردن ومصر لكن اي تواصل حقيقي يمكن ان يجري هناك؟ "الفيسبوك" ساعدنا على التواصل اكثر مما فعلت تلك الدول حتى اليوم!
واذا كان الشعب العربي لا يزال يذكر قطعة مسلوبة منه، فلا بد له ان يذكر اهلا له فيها، عطشى للتواصل معه، لا يغنيهم جمال حيفا عن حلمهم بزيارة بيروت، ولا تروي اي من رام الله، عمان او القاهرة عطشهم لمسقط، تونس وبغداد. وفيما لا نجرؤ على ذكر فلسطين في اي من العواصم العربية التي سلمت واستلمت الثمن، كانت اسطنبول ملاذا امنا. هكذا اذا؛ معزولون نحن عن اهلنا خارج حدود فلسطين، متصلون معهم في بلاد تكيد لهم او عند اشقاء خسروا البيع !
في اسطنبول التقيت "شعبي" على اختلافه، وكنا كلما التقينا عربيا دون سابق معرفة في شارع ما، وقفنا للحديث معه مطولا دون هدف، فقط للحديث، على اختلاف اللهجات، على اختلاف الاصول، كنا كلنا عربا، وكان الذي يأتي من جنوب لبنان جارا لي في الجليل، كانت تقسيمات سايكس- بيكو للوطن العربي غير موجودة بالنسبة إلينا، في بلاد العجم!
اسطنبول جمعتنا، فيما ضاق وطننا العربي الممتد من المحيط الى الخليج بنا، ببلادنا المحترقة او المحاصرة او الممزقة بحروب يخوض فيها العالم بواسطتنا لحماية مصالحه، وفيما كان اتاتورك قد حاول "تتريك" العرب، صار مطاره محط كل عربي يريد "التواصل" مع ابناء جلدته، في بلد لا يحمل من رائحتنا شيئا، سوى انه مكان اجتماعنا في الغربة.
من لم يقض حياته بين جدران وهمية رسمها له الاحتلال، فلن يدرك معنى ان تجلس لأول مرة في حياتك مقابل لبناني وسوري وفلسطيني من غزة في جلسة واحدة كأن لا حدود ولا استعمار يفصل بينكم، وكأننا فعلا شعب عربي واحد!