يبحث الشباب الفلسطينيون ممن لم يحالفهم الحظ في الحصول مباشرة على وظيفة جيدة، بعد التخرج في الجامعات، عن فرص التشغيل المؤقت، التي تسمى في المتعارف الشعبي «البطالة». أول من بادر إلى طرح هذه المشاريع هي المؤسسات الدولية، الكبيرة والمتوسطة، تلتها مؤسسات العمل المدني والأهلي والبلديات، وليس أخيرا الحكومتان في غزة ورام الله.

هاتان، الحكومة في رام الله وشبه الحكومة في غزة، تعلنان بين حين وآخر طرحهما عشرات آلاف الفرص للتشغيل المؤقت، بل تزفّ كل منهما الخبر كـ«بشرى» للشباب، استمرارا في سياسة ذر الرماد المتواصلة منذ عجزهما عن التوظيف أو إيجاد حلول حقيقية، فضلا على تكدس عشرات آلاف الموظفين على كشوف الرواتب، التي لا تغذيها سوى الضرائب أو المساعدات من الدول المانحة، تحت واقع احتلال مستمر.
«البطالة» هي عملية توظيف مؤقتة تمتد من شهرين إلى سنة على أقصى تقدير، يتقاضى فيها الموظف الذي يقع خارج الحقوق الوظيفية (كالتأمين الطبي والادخار...) راتبا شهريا مقتطعا تحدده الموازنة المخصصة للمشروع. وليس بالضرورة أن يعمل الخريج في مجال اختصاصه، بل يمكن أن يشتغل «ناطورا» على بوابة مدرسة في الليل مع أنه يحمل شهادة في الهندسة الكهربائية. كما يمكنه التهرب من الدوام اليومي، إلا في المؤسسات التي تملك رقابة عالية، مثل «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين ــ الأونروا» وأيضا الحكومة، وفي هاتين يمكن للوساطة أن تحل مشكلة الدوام أيضاً.
بعيدا عن الحديث في معايير وطريقة اختيار المستفيدين من هذه المشاريع، التي تشوبها المحاصصة الحزبية أو العائلية (المحسوبيّات)، لا يمكن تحديد الأهداف التفصيلية وراء التشغيل المؤقت، فالمعلن هو: مساعدة الخريجين في إيجاد فرصة عمل مؤقتة، يعيلون بها أنفسهم؛ بدلا من وقوفهم في طوابير انتظار المساعدات، أو التفكير في العمل مع فصيل سياسي أو جناح عسكري، وليس أخيرا النتائج الكارثية (المجتمعية والنفسية) لبقائهم في بيوتهم متعطلين عن العمل.
إلى هنا كل شيء يسير بصورة طبيعية: مشاريع عمل مؤقتة في ظل وصول نسب الفقر والبطالة إلى ما فوق الـ50%. لكن الأمور تقاس، على الأقلّ، بنتائجها. ماذا يحدث بعد أن ينتهي عقد «البطالة»؟ يعاود المستفيد من المشروع البحث عن فرصة مؤقتة قد تتحول إلى «أسلوب حياة» اذا لم تتوافر فرصة عمل ثابتة، بل يمكن لأحدهم أن يعمل في وظيفة ثابتة ولا يمانع أن يستلم دواما جزئيا أو إضافيا في أحد مشاريع «البطالة».
ما ينبه إليه متخصصون في مجال الاستشارات ممن يعملون مساعدين للمؤسسات الدولية، هو أن مشاريع التشغيل المؤقت (انخفضت ما بعد حرب 2014)، تنتج جيشاً من الشباب المسلوبي الإرادة والخبرات، همّهم الوحيد هو كيفية اختصار ساعات الدوام المطلوبة منهم في العمل المؤقت، ثم الهرب إلى واقع البطالة نفسه داخل المجتمع؛ بما أن العامل في هذا المشروع، أكان مهندسا أم محاميا أم مدرسا، يعلم يقينا أنه سيستلم راتبه نهاية كل شهر، وأن لا أحد ــ غالبا ــ سيعنيه تقييمه الوظيفي، بل لا يحذر من سلطة المدير عليه سوى الخطر من إنهاء العقد المؤقت، ما الحاجة إلى الإبداع أو اكتساب الخبرات؟
أكثر من ذلك، لمْ تنجح المحاولات التي جربتها بعض المؤسسات في توفير دعم مالي لإنشاء مشاريع صغيرة يصير صاحبها قادرا على تمويل نفسه بنفسه. كانت دوما تكال الاتهامات إلى طبيعة الناس، دون النظر بدقة فيمن سعى إلى إكساب الشباب هذه السلوكيات، وعوّدهم أن أكل التفاح المقشر يغني عن التفكير في الزراعة والحصاد، فباتوا يبدعون فعلا في كيفية الالتفاف على ممولي المشاريع الصغيرة كي يبيعوا الأدوات التي قُدمت إليهم، ويحصلوا على سيولة نقدية سرعان ما يتبخّر.
وسط كل ذلك، استمر في غزة، مثلاً، افتتاح الجامعات وإعطاؤها التراخيص، وصارت أفضل مشاريع استثمارية بعد المطاعم والبقالات. وفي حال مراجعة أصحاب القرار عن سبب افتتاح المزيد من الكليات برغم البطالة العالية، يأتي الردّ مبسطاً: «مقابل جيش الخريجين الجدد لدينا جيش آخر من خريجي الدراسات العليا يحتاجون إلى تشغيل»!
برغم ذلك، لم تنعدم الطبقة التي تسعى إلى تحويل المحنة إلى منحة، وحاولت افتتاح مشاريع صغيرة كان يغطّيها الإعلام في بداية انطلاقها مع أن أحدا لا يسأل عن مصيرها بعد ذلك. هؤلاء باتوا الآن، بسبب تفاصيل التفاصيل في الظروف القاهرة والمعقّدة، يفكّرون في سبيل واحد للخلاص، هو الهجرة. لكنّ الحل الأخير صار الاحتلال يعيقه بعدما سهّل له في مراحل سابقة، ولهذا حديث آخر!