يعود بين فترة وأخرى طرح العلاقة الشائكة التي تجمع بين النظام السوداني واحتضان وتكوين مؤسسات تعليمية في البلاد لعدد من الجهاديين ذوي الأصول الأفريقية. وبرغم أنّ علاقات نظام عمر البشير بالحالة الجهادية (في أفريقيا خصوصاً) ملتبسة، لكن من المفارقات أنه في خلال العام الجاري، انضم السودان إلى "التحالف الإسلامي" الذي أنشأته السعودية بهدف "محاربة الإرهاب". وسبق ذلك، ابتعاد نظام البشير عن سياساته الإقليمية المعهودة (وعن إيران)، مقترباً أكثر فأكثر من السعودية، "ومنذ ذلك الحين استثمرت الرياض حوالي 11 مليار دولار في السودان، وتجاهلت الأمر الدولي بالقبض على الرئيس عمر البشير فسمحت له بزيارة المملكة، وفي كانون الثاني قطعت الخرطوم علاقاتها مع طهران"، كما يذكر تقرير نشرته وكالة "رويترز" أمس. ويضع التقرير التغيّر في السياسات السودانية في نطاق انضواء السوادان ضمن استراتيجية "السعودية في عهد الملك سلمان لتوسيع نطاق مواجهتها مع إيران في ما يتجاوز حدود منطقة الشرق الأوسط، وذلك دون أن تعتمد اعتمادا كبيرا على حلفائها في الغرب".



"وحدات جهادية" في الجامعات

ويبدو انضمام السودان إلى ذلك "التحالف الإسلامي" مفارقة، إذ أعادت وكالة "فرانس برس"، أمس، طرح علاقة نظام البشير بالجهاديين، في تقرير كان عنوانه: "وحدات جهادية في الجامعات تثير جدلاً في السودان". ووفق التقرير، فقد أنشئت تلك "الوحدات الجهادية" في الجامعات السودانية قبل سنوات لدعوة الطلاب إلى التطوع للمشاركة في القتال أثناء الحرب بين شمال السودان وجنوبه التي انتهت عام 2005 بتوقيع اتفاق سلام. وذكر أنه بينما يدعو مدافعون عن حقوق الإنسان وقادة معارضون وناشطون إلى تفكيك تلك الوحدات التي يتهمونها بالعمل على "قمع تحركات المعارضين"، كما يشرح طلاب، قال القيادي في حزب "المؤتمر الشعبي" المعارض، حسن الحسين، في اجتماع الأسبوع الماضي، إن "تلك الوحدات الجهادية مسؤولة عن العنف في الجامعات ويجب إغلاقها".
وفي التقرير، يشرح أحد قادة طلاب المعارضة في "جامعة ام درمان"، طالبا عدم كشف اسمه خوفاً من توقيفه من قبل جهاز الأمن والمخابرات، أن "الحرب الأهلية انتهت الآن، لكن النظام ما زال يستخدم تلك الوحدات الجهادية لمهاجمة المعارضين من الطلاب". فيما يرى طالب معارض آخر من "جامعة الخرطوم" أن "الوحدات الجهادية المدعومة من الرئيس (عمر) البشير وحزب المؤتمر الوطني (الحاكم) تُستخدم لتخزين الأسلحة واحتجاز الطلاب المعارضين داخل الجامعات".
وكان مئات من طلاب الجامعات السودانية قد احتجوا مرات عدة ضد السياسات الحكومية، بما في ذلك التعامل مع مناطق النزاع في دارفور وجنوب كردفان والنيل الازرق وكذلك من أجل المطالبة بإطلاق سراح زملائهم الذين يجري اعتقالهم أثناء تظاهرات، وفق وكالة "فرانس برس". وفي الأسابيع الماضية وقعت عدة اشتباكات بين طلاب جامعات سودانية وقوات الأمن، وقُتل طالبان وجرح عدد آخر اثناء التظاهرات، ما أجبر السلطات على تعليق الدراسة بعدد من الجامعات. وقالت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، في تقرير الشهر الماضي، إنّ "هناك قلقا بسبب تقارير تتحدث عن مجموعات طلابية تتبع للحكومة تساند قوات الأمن بالقضاء على المظاهرات بما في ذلك استخدام الذخيرة الحية".
وأعاد تقرير الوكالة ربط نشأة "الوحدات الجهادية" بوصول الرئيس، عمر البشير، إلى السلطة، وبدور الخرطوم في العالم الإسلامي في عقد التسعينيات. ونقل عن الاستاذ في "جامعة الخرطوم"، محمد الجاك، قوله إن "عددا من طلاب الجامعات قتلوا أثناء مشاركتهم في الحرب الاهلية بين الشمال والجنوب"، فيما قال رئيس تحرير صحيفة "ايلاف" خالد التجاني، والذي كان ناشطا خلال دراسته الجامعية، إن "الحرب انتهت والوحدات الجهادية جلبت ميدان القتال للجامعات". وأوضح التجاني أنّ هذه الوحدات "تعمل الآن لمساندة قوات الامن... أعدادهم ليست كبيرة، لكنهم منظمون بصورة جيدة ويدافعون عن النظام".

"أسلمة أفريقيا"

في تقرير نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية، في نهاية عام 2015، تحت عنوان "حين تثقّف وتؤسلم الخرطوم أفريقيا"، تظهر بعض خيوط العلاقة الراهنة بين نظام البشير والحالة الجهادية. تناول التقرير بشكل أساس إشكالات الدور الذي تلعبه "جامعة افريقيا العالمية" القائمة في الخرطوم، التي تؤوي نحو 15 ألف طالب (بينهم محليون، وأفارقة، وآسيويون)، في وقت أشار فيه كاتب التقرير، في البداية، إلى أنّ "عدداً من الإرهابيين النيجيريين الذين نفذوا عمليات عدائية لمصلحة جماعة بوكو حرام، تبيّن أنهم من قدامى تلك الجامعة". كذلك، فإن التقرير نقل مثلاً عن ممثل الطلاب الفرنكوفونيين في الجامعة، قوله: "كل هؤلاء الطلاب الذين ترونهم، سيتمكنون من تأمين عمل، ومن الدعوة إلى الإسلام، ومن خدمة هذا الدين في أفريقيا". وبينما أشار التقرير إلى أنّ "أياً من هؤلاء الطلاب لا يتحدث عن زملائه الذين اختاروا، عقب تخرجهم، السلاح بدل العمل الدعوي"، فإنه أعاد توضيح السياق التاريخي الذي نشأت خلاله تلك الجامعة في نهاية سبعينيات القرن الماضي تحت اسم "المعهد الإسلامي الإفريقي". ورأى أنها اتخذت منحى أكثر تشدداً في التسعينيات بفعل تأثرها بالمشروع الإسلامي للمفكر والداعية الراحل، حسن الترابي.
ونقل التقرير كذلك عن "متمردين" سودانيين رؤيتهم إلى تلك الجامعة، وقال أحدهم: "بالنسبة للنظام، فإنّ هذه الجامعة تمثّل دائماً مركزاً إيديولوجياً لتكوين جهاديين، وبحسب معلوماتنا، فإنّ العديد من عناصر تنظيم الشباب (في الصول) ومن جماعة بوكو حرام (في نيجيريا) تعلموا فيها".
(الأخبار)