على رصيف شارع "فهمي بيك" في البلدة القديمة بغزة، تمتلئ المحال التجارية بمئات الأصناف الغذائية التي عرضها التجار ضمن قوائم الأساسيات خلال الإفطارات والسحور الرمضانية، كالحلاوة المصرية والتمور المستوردة من فلسطين المحتلة، والأجبان النابلسية إضافة إلى الحمص الغزي والدبس التركي. كل هذه الأصناف تمثل مائدة السحور التي اعتادها الفلسطينيون منذ سنوات. ومع أن حرارة الصيف المرتفعة لم تشفع للصائمين بالمزيد من ساعات الكهرباء الغائبة دوماً، فإن حدة التذمر خفّت مع الانشغال بالشهر الكريم وأجوائه. فمن عادة الفلسطينيين في المناسبات السنوية صرف النظر، ولو مؤقتاً، عن الأزمات اليومية التي يعيشونها.

بعيداً عن تلك الضوضاء، تجلس سوزان أبو هربيد أمام حطب أشعلته قرب الكرفان الذي يؤوي عائلتها بعدما هدم بيتها خلال حرب عام 2014. "نار الحطب هذه أهون بكثير من حرارة الكرفان الشديدة التي نضطر إلى تحملها صيفًا"، تقول السيدة وهي منشغلة في إعداد طعام الفطور الرمضاني الأول على النار المتقدة.

تلخّص الحياة في الكرافانات الحديدية أسوأ حالات المعيشة

عشرات الأسر الأخرى، جيران عائلة أبو هربيد، يسكنون في الكرافانات بقربها. فهي صارت بديلاً مؤقتاً، على مدار عامين، لمئات العائلات التي هُدمت منازلها في الحرب الأخيرة. هنا في هذه المنطقة البعيدة عن ضوضاء المدينة، حيث لا أصوات التكبير ولا أغاني التهليل التقليدية، بل حرارة الشمس الحارقة، التي تدفع السكان إلى الهرب خارج البيت المعدني.
تتحدث أم محمد، وهي أم لخمسة أبناء يعيشون في كرافان صغير، عن حرارة الكرفان الشديدة، قائلة: "نضطر إلى الجلوس خارجه لتجنب رائحة البلاتين... نحن عملياً نعيش في الشارع، وننام في الكرفان ليلًا".
وكانت أحياء الكرفانات المنتشرة في منطقة بيت حانون شمال قطاع غزة، ومنطقة خزاعة جنوب القطاع، قد تشكلت قبل قرابة عام ونصف بعدما قررت "وكالة غوث وتشغيل اللاجئين ــ الأونروا"، إخراج عشرات الأسر من المدارس التي لجأوا إليها بعدما هدمت بيوتهم إثر حرب الخمسين يوماً.
أمّا عن أجواء رمضان، التي بدت معدومة في تجمع الكرافانات، فيرى أبو أحمد، وهو من أوائل السكان الذي سكنوا كرفاناً، أن أجواء الشهر باهتةٌ للغاية. فلا يستطيع الرجال تأمين الاحتياجات من أغذية ومشروبات، ولا تتوافر للزوجات سبل الراحة أو الخصوصية لإعداد الطعام. تكمل عنه زوجته، أم أحمد، أنه "عند أذان المغرب، ونحن على طاولة الإفطار، أتأمل جدران الكرفان، وأبكي حين أتذكر كيف كنا نجهز البيت لاستقبال الشهر، ولم يكن الإفطار والسحور يأخذان منا كل هذا الوقت والتعب". وتتابع: "اليوم لا ثلاجة ولا بيت ولا ملابس إلا صدقات ترسلها إلينا بعض الجهات بعدما تذوقنا مرارة الذل... إلا من رحم ربي".
تقول هذه المرأة: "عندما يزورني أهلي هنا، يحملون بعض الفاكهة والأطعمة، فآخذ منها ما يكفيني، ويأخذ زوجي بقيتها لشقيقته التي يرفض زيارتها خالي اليدين. نحاول أن نحيا حياة طبيعية. نجتمع بعد الإفطار لتبادل الأحاديث، ونتناول السحور في هذه الساحة الرملية مع جيراننا، ويساعد بعضنا بعضاً في كل شيء: التنظيف والطبخ والغسيل، لكن التأقلم مع هذه الحياة صعب للغاية".
في غضون ذلك، يحاول الأطفال وسط تجمع كرفانات بيت حانون خلق أجواء رمضانية خاصة بهم، فمنهم من يؤدي دور المسحراتي، فيما يحاول البعض جمع النقود من ذويهم لشراء الألعاب النارية التي برغم ضجيجها، لأصواتها نكهة خاصة لديهم، كما يقول محمد ابن السنوات الست.
هكذا، مثل أبو أحمد هناك المئات الذين لا تزال حياتهم معلقة ويعيشون في الكرافانات بسبب بطء عملية الإعمار، وغياب أفق للتنمية في غزة، بل يظل شبح الحرب قائماً في أي لحظة، خاصة أن لرمضان ذكريات لشهداء ومآس كثيرة.