لا تعني المعارضة التي أظهرتها إسرائيل لمؤتمر باريس، أن المؤتمر لا يستند إلى سقف سياسي يلبي طموحات العدو ومطالبه، بل حرصت المبادرة الفرنسية على ألا تتجاوز عدداً من الثوابت الإسرائيلية. في المقابل، إنما نبعت المعارضة في تل أبيب من كون الطموح والمطالب الإسرائيلية تتجاوز ما يستند إليه المؤتمر. وتسعى في هذا المجال إلى سقف أعلى مما بات مسلَّماً به حتى لدى عواصم القرار الدولي عامة، والغربي خاصة.

مع ذلك، أحدث البيان الختامي الصادر عن لقاء وزراء الخارجية لمؤتمر التسوية في باريس، نوعاً من الرضا في إسرائيل. يعود ذلك إلى أن البيان كان باهتاً بعدما كان المتوقع في تل أبيب، أن يكون أكثر حدة وأقل عمومية. ومع أن حالة الرضى قد لا تكون نهائية، لكن النتائج لم تكن مصادفة، بل أتت بفعل حراك إسرائيلي نشط. ولا تختلف الدلالة كثيراً إذا كانت اتصالات رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، ووزارة خارجيته، أو اتصالات وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، هي السبب في تخفيف حدة البيان الختامي للمؤتمر.
في كلتا الحالتين، أكد ما حدث الحصانة التي تتمتع بها إسرائيل من الولايات المتحدة، برغم أن مناورة نتنياهو السياسية بقيت دون المسّ الجوهري بثوابته التي تهدف إلى فرض وقائع تخدم السياسة الإسرائيلية، والأخيرة يبدو أنها ترى أن معادلة أوسلو انتهت صلاحيتها من دون الإعلان الرسمي لذلك. في الوقت نفسه، تحرص إسرائيل على تثمير ما أنتجه هذا الاتفاق من واقع سياسي سلطوي. ويمكن القول إن الحل النهائي الذي تسعى إلى تحقيقه لا يختلف كثيراً عمّا تعمل على فرضه على أرض الواقع، والفرق بين الحالتين في طريقة الوصول إلى هذا الوضع.
خلاصة هذا الواقع، الذي تطمح إليه إسرائيل، هو الإبقاء على المستوطنات، وفي هذا المجال يبدو أن القضية تجاوزت الحديث عن الكتل الاستيطانية الكبرى التي يحظى ضمها إلى إسرائيل بإجماع إسرائيلي. أما قضية العودة إلى حدود 1967، فصارت من الماضي، والأمر نفسه ينطبق على تقسيم القدس. ولا حاجة إلى التذكير بالرفض المطلق في أي تسوية مفترضة لأي عودة للاجئين، بل يرى الإجماع في إسرائيل في عودتهم مصدر تهديد وجودي للدولة.
وتشي المواقف التي أطلقها نتنياهو خلال السنوات الماضية بأن مطلب الإبقاء على السيطرة على منطقة الأغوار بات مدرجاً ضمن متطلبات الأمن القومي الإسرائيلي. أما بخصوص السلطة الفلسطينية، فالمطلوب الحفاظ على استمرارها من أجل أدوار تحرص إسرائيل على أن تصبح من مسؤوليتها، في ما يتعلق بإدارة شؤون الحياة للفلسطينيين. ويمكن اختصار خلفية هذا التوجه الإسرائيلي، بالمعادلة الآتية: إسرائيل ترى في الحفاظ على الوضع الراهن الصيغة الأفضل من أي بديل. وما يعزز هذه الرؤية أن إسرائيل مطمئنة في ضوء الاحتضان الأميركي والغربي، إلى أن ذلك لا يكلفها أثماناً سياسية واقتصادية مؤلمة.

رضى في إسرائيل على البيان الختامي للقاء باريس الأخير

على خطٍّ موازٍ، يمكن القول إن هذا الخيار تبلور بفعل السجال والتفاعل بين رؤيتين كانتا سائدتين في الساحة الإسرائيلية: الأولى رأت آنذاك أن تنازل إسرائيل عن جزء من الأراضي المحتلة، يوفر لها شرعية إقليمية ودولية، ويسهل انضمامها إلى الاقتصاد العالمي وفتح أسواق عالمية جديدة أمامها، في مقابل تيار معارض يرى أولوية في عدم التنازل عن الأراضي المحتلة، بل تعميق الاستيطان، والتشديد على الجذور اليهودية وخصائص الشعب اليهودي.
لكن الخلاصة التي نتجت من هذا التفاعل هو تبلور تيار يجمع بين تبنيه الفكر الاقتصادي الليبرالي والإبقاء على جزء كبير من الأراضي الفلسطينية المحتلة تحت الاحتلال الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه تظليل ذلك بشعار الموافقة على مبدأ إقامة الدولة الفلسطينية، والتشديد على طبيعة الدولة كـ«دولة يهودية»، وكل ذلك مع الفوز بالمزايا الاقتصادية التي كانت موعودة بها، من دون أن تضطر إلى دفع أثمان جدية بالعملة الفلسطينية. هكذا بات بالإمكان القول إن الموقف من القضية الفلسطينية لم يعد يشكل مادة انقسام حاد في المجتمع الإسرائيلي.
وكما في كل تحول أو مستجد، لم يحدث ذلك في الفراغ، وليس نتيجة حسابات سياسية داخلية أو حزبية فقط، بل يرتبط الأمر ارتباطاً وثيقاً بعوامل سياسية واقتصادية وأمنية في البيئة الداخلية والإقليمية والعالمية. وأول معالم البيئة الاستراتيجية التي تستند إليها إسرائيل في تشددها على الساحة الفلسطينية، هو أن الأطراف العربية «المعتدلة»، عامة، والخليجية خاصة، تندفع مسرعة باتجاه التحالف مع إسرائيل على قاعدة المصالح المشتركة، وتحديداً في مواجهة محور المقاومة، من دون أن تضطر تل أبيب إلى دفع أثمان مؤلمة على الساحة الفلسطينية. ويبدو أن نتنياهو وطاقمه يتعاملون على أنهم الأكثر فهماً لحقيقة ولمعنى «اعتدال» النظام العربي عامة، والخليجي خاصة، والمدى الذي يمكن يبلغه في السر والعلن، على حد سواء.
كل ذلك يعود إلى حالة التفكك التي تشهدها أنظمة ودول عربية محيطة، خاصة سوريا والعراق، وانشغال أخرى بمواجهة تهديدات إرهابية من داخلها وخارجها، بل ترى في إسرائيل حليفاً لها في هذه المعركة. والثمن الأمني الذي بات محمولاً ويمكن إسرائيل التعايش معه بفعل عدد من العوامل، من ضمنها الحصار المضروب على قطاع غزة، والدور الذي تؤديه السلطة في مواجهة انتفاضة السكاكين التي استطاعت بالتعاون مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، أن تقطع أشواطاً في محاولة احتوائها وإخمادها. لكن هذا لا يعني أن إسرائيل باتت مطمئنة إلى ألّا يفاجئها الشعب الفلسطيني كما فعل في عدد من المحطات التاريخية السابقة.