عادت وزارة الداخلية الإسرائيلية إلى المطالبة مجدداً بتوسيع صلاحياتها للتعامل مع حالات الطوارئ، حتى يصير بمقدورها التنسيق مع المجالس المحلية في تقديم مساعدة أكبر في إنقاذ المستوطنين والسكان الذين يجب إخلاؤهم في حالات الطوارئ والحروب. تحقيق هذه المطالبة التي تقدم بها وزير الداخلية آريه درعي إلى وزير الأمن أفيغدور ليبرمان، ولاقت رفضاً من وزارة الأمن والجيش، تقتضي نقل صلاحيات واسعة لهما (للجيش ووزارة الأمن)، في الدفاع عن الجبهة الداخلية، إلى يد «الداخلية»؛ والأخيرة، وفق الجيش، ستلاقي صعوبة في التعامل مع الضغط الهائل في ساعة الحرب أو الكارثة الطبيعية، لذلك يفضّل أن تبقى صلاحيات التنسيق ودعم أنشطة المجالس المحلية أثناء الحروب في أيدي قوات الجبهة الداخلية.

وطلَبُ درعي يستند في الأساس إلى مذكرة أصدرها مؤخراً «معهد الأمن القومي»، رفع فيها الأخير توصيات إلى الحكومة الإسرائيلية حول ضرورة تسلم «الداخلية» صلاحيات أكبر، لتصير هي «الهيئة المركزية التي تنسق مع المجالس المحلية أثناء حالات الطوارئ». كذلك يجب أن تتولى، بموجب هذه التوصيات، مجمل نشاطات وزارات الصحة والتربية والرفاه الاجتماعي، في كل ما يخص الجبهة الداخلية أثناء هذه الحالات.
وصدرت مذكرة المعهد بعدما نشر «مراقب الدولة»، القاضي المتقاعد يوسف شابيرا، تقريراً في أيلول الماضي، حول استعداد إسرائيل لحالات الطوارئ، في حال وقوع حرب أو أحداث أمنية أو كوارث طبيعية. وانفرد التقرير بقائمة طويلة لأوجه القصور الخطيرة في مجالات الاستعداد والتأهب لحالات الطوارئ، بما فيها «مشكلات خطيرة في أسس التعامل مع حالات الطوارئ في الجبهة الوطنية الداخلية»، إضافة «إلى افتقار الجبهة الداخلية إلى ترتيبات تشريعية خاصة بها».
لكن المعهد حاول في مذكرته الإجابة عن سؤال: هل إسرائيل ليست مستعدة لمواجهة ظرف طارئ؟ الإجابة بدت بالنسبة إليه معقدة ومركبة؛ فمن ناحية، لا شك في أن تقدماً طرأ على القدرة «الدفاعية» ضد الصواريخ، كانت أبرز مظاهره «القبة الحديدية» المعدّة لاعتراض صواريخ قصيرة المدى، و«العصا السحرية» المعدّة لاعتراض صواريخ بعيدة المدى. لكن من ناحية أخرى، لا تزال هناك ثغر مهمة داخل المنظومة نفسها، التي من دون أدنى شك هي مسؤولية الجبهة الداخلية، لأن المؤسسات والمراكز الخاصة بالبنى التحتية، كمؤسسة الكهرباء، تفتقد «رب بيت»، خلافاً للمؤسسة العسكرية المنظمة إلى حد كبير.

وزارة الداخلية تطالب بتوسيع صلاحياتها أثناء «الطوارئ»

إضافة إلى ذلك، أثبتت التجارب السابقة أن هناك ثغراً في جاهزية الجبهة الداخلية، ورغم ذلك لم تقم الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بمعالجتها، علماً بأنها تعترف بأنها ستتكبد خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات في أي حرب مقبلة أو مواجهة محتملة أو أي كارثة طبيعية. لذلك تساءل المعهد: إذا كان تقرير مراقب الدولة يؤكد وجود كل هذه الثغر، فلماذا لا يتم تناول موضوع الجبهة الداخلية كأولوية على جدول الأعمال القومي؟ في الإجابة، عزا المعهد ذلك إلى كون إسرائيل مهددة عسكرياً على أكثر من جبهة، لهذا يجري التعامل مع تهديد الكوارث الطبيعية كشأن ثانوي، والدليل أن أولويات الجيش هي شراء العتاد والمعدات العسكرية والاهتمام بتجهيزاته.
أما التفسير الثاني، فهو مرتبط بالمجال السياسي الذي تنشأ فيه الحكومات الإسرائيلية عن طريق تحالفات من عدة أحزاب، فيعطي كل وزير مسؤولية في حقله فقط، الأمر الذي يخلق صعوبة في إجراء تحسين شامل ومتعدد الأهداف والأبعاد. من ثم خلص المعهد إلى نتيجة مفادها: ليس بالإمكان إحداث تغيير حقيقي إلا في حال إحداث تغيير في الوعي على مستوى الحكومة والجمهور والجيش والسلطات المحلية، ما سيسمح بوضع مسألة التأهب لحالات الطوارئ في مكانها الصحيح، فيما الخيار الآخر هو، بطبيعة الحال، انتظار كارثة جماعية تلحق ضرراً عالياً في الأرواح والممتلكات، عندئذ يمكن أن يبدأ استخلاص الدروس للبدء بتغيير جذري!
لكن رغبة درعي لا تنطلق من تلك التوصيات فقط، ولا حتى من النواقص والعيوب التي برزت في «تدريب الطوارئ» الشهر الماضي، حينما ظهر نقص كبير في عدد الملاجئ التي تبين أنها لا يمكنها استيعاب الإسرائيليين في حال إخلائهم من المستوطنات الحدودية إلى مناطق «أكثر أمناً» في الجبهة الداخلية، فضلاً عن غياب جاهزية هذه الملاجئ من ناحية الخدمات الصحية واليومية التي يجب أن تزود الموجودين فيها بها، بل تكمن رغبته في أن نقل هذه الصلاحيات إلى وزارته سيزيد عدد الوظائف والميزانيات والممتلكات.
هذا الجدل حول صلاحيات العمل في الجبهة الداخلية ليس جديداً، فمنذ عدوان تموز 2006 بدأ المجلس الوزاري للشؤون الأمنية (الكابينيت)، والحكومة، وسلطات الطوارئ، نقاش هذا الموضوع، وبعد عدوانَي غزة، ثم انقطاع التيار الكهربائي عن مئات آلاف السكان نتيجة سقوط الأمطار وبقائهم لأيام دون كهرباء، تبين حجم الهشاشة الموجودة في هيكلية الجبهة الداخلية، خاصة فقدانها التنسيق بين الهيئات والأجسام المؤسساتية المختلفة.
اليوم يعود الجدل مجدداً، خصوصاً بعد حديث درعي خلال اجتماع الحكومة الأسبوعي، الذي قال فيه لليبرمان إن «الجبهة الداخلية ليست جاهزة... هناك إخفاقات كبيرة فضلاً عن عدم توافر احتياطات». ورغم أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو سيعقد مطلع الأسبوع المقبل اجتماعاً لمناقشة مسألة جاهزية الجبهة، فقد لفتت القناة الثانية، نقلاً عن مصادر أمنية، إلى أن تحويل المسؤولية من وزارة الأمن إلى «الداخلية» للتعامل مع حالات الطوارئ، ليس مطروحاً على جدول أعمال هذا الاجتماع.