الكابوس الذي تعيشه الأسر المصرية سنوياً في امتحانات الثانوية العامة، المؤهّلة للالتحاق بالجامعات، لم يعد محصوراً في مدى حفظ الطالب للمنهاج الدراسي أو حسن حظه في أن تقع أوراق إجابته بيد مصحح يمنحه الدرجات التي يستحقها دون أن ينتقص منها، فيضطر إلى اللجوء للمحكمة من أجل تعديلات درجاته في دعاوى تستمر لعام، بل امتدّ للأمل إلى المساواة بين الجميع بعد تسريب الامتحانات عبر صفحة إلكترونية على «فايسبوك».

الصفحة التي اعتادت تسريب الامتحانات في السنوات الماضية بالتزامن مع إجرائها، نجحت خلال العام الجاري في نشر الامتحانات قبل موعدها، بل مع الإجابات النموذجية التي سيعتمد عليها المصححون في التوزيع، وهو ما دفع وزارة التربية والتعليم إلى إلغاء امتحان التربية الدينية في بداية الأسبوع الجاري، بعد تسريبه قبل موعده بنحو ساعتين، وهو ما دفع صفحة «شاومينج» إلى نشر امتحان اللغة الإنكليزية وإجاباته النموذجية قبل موعد بدء الامتحان بأقل من 30 دقيقة، وهو ما أثار تساؤلات عدة عن إمكانية تحقيق تكافؤ الفرص بين الطلاب، فضلاً عن كيفية التسريب ومن يقف وراءه.
التسريب الجديد لامتحان الإنكليزية أثار تساؤلات أخرى عن عجز وزارة الداخلية عن ضبط القائمين على الصفحة التي يعتقد أنها تبث من خارج مصر، فيما تحاول «التربية والتعليم» معرفة طرق التسريب حتى الآن، لكنها لم تستطع الوصول إلى نتيجة، برغم قرار النيابة العامة، التي بدأت مباشرة تحقيقات موسعة في وقائع التسريب، حبس 12 مسؤولاً في الوزارة والمطابع الأميرية التي تشرف على طباعة الامتحانات، وذلك 15 يوماً على ذمة التحقيقات بتهم الإضرار بجهة عملهم.
ووفق إحصائية غير رسمية من «اتحاد المعلمين»، فإن الأسر المصرية تنفق 22 مليار جنيه سنوياً (2.4 مليار دولار) على الدروس الخصوصية، نصفها تقريباً على المرحلة الثانوية التي هي أهم المراحل التعليمية. كذلك أخفقت محاولات «التربية والتعليم» في إجبار الطلاب على التزام الحضور في المدارس ومنع المدرسين من إنشاء مراكز للدروس الخصوصية، علماً بأن أعداد المجموعات في «الخصوصية» تصل إلى ضعفها في المدارس، وذلك في مختلف المناطق، خاصة لدى المدرسين الأكثر شهرة.
وبرغم محاولات «الداخلية» لضبط عدد من المدونين عبر صفحات التسريب ونجاحها في القبض على ستة في مدن مختلفة، فإن المسرِّب الرئيسي للامتحانات لا يزال حراً، علماً بأن المتهمين الذين قُبض عليهم ستكون محاكمتهم وفقاً للتعديل التشريعي الذي أقره الرئيس عبد الفتاح السيسي، في تشرين الثاني الماضي، ويقضي بأن عقوبة تسريب الامتحانات تصل إلى الحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة ما بين 20 و50 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
وتبين من التحقيقات الأولية مع المقبوض عليهم أنهم يحصلون على ورق الأسئلة من مدرسين يباشرون أعمال المراقبة في المدارس، وهؤلاء يصورون ورقة الامتحان قبل توزيعها على الطلاب وترسل إليهم قبل أن ينشروها عبر صفحاتهم على «فايسبوك»، علماً بأن قوات الأمن المكلفة تأمين اللجان الامتحانية منعت أيضاً محاولات غش جماعي عبر مكبرات الصوت من سيارات تقف أمام اللجان يجيب أحد أفرادها عن جميع التساؤلات عبر «المايكروفون».
كذلك أعلن مدير لجنة مراقبة اعتذاره بسبب ضغوط الغش الجماعي التي يتعرض لها من آباء طلاب يعملون ضباطاً ومسؤولين في محافظة أسيوط، ولم تعلن الوزارة إجراء تحقيق في المشكلة التي تكررت في أكثر من لجنة امتحان.
وحالياً، ووفق معلومات حصلت عليها «الأخبار»، هناك اتجاه داخل مجلس الوزراء لمطالبة رئيس الحكومة، شريف إسماعيل، بدفع وزير التربية والتعليم، الهلالي الشربيني، إلى تقديم استقالته من منصبه، علماً بأن إسماعيل قام بزيارة لم تكن في جدول نشاطاته أمس لمقر الوزارة واجتمع مع الشربيني لبحث القضية التي سببت إحراجاً كبيراً للحكومة، ودفعت أهالي الطلاب إلى التظاهر للمطالبة بوقف الامتحانات حتى إحكام قدرة الوزارة على تسريب الامتحانات. بل اللافت أن مسرِّب الامتحانات اشترط تطوير النظام التعليمي لوقف عملية التسريب!
وعادة تطبع امتحانات المرحلة الثانوية، التي تجرى في جميع محافظات الجمهورية بتوقيت متزامن، في مطابع حكومية وتحت حراسة مشددة من الجيش والشرطة، ثم تنقل إلى المحافظات في ظروف مشمَّعة لا يسمح بفتحها إلا قبل 15 دقيقة من توزيعها على الطلاب لضمان سريتها. كذلك صدر قرار قبل عامين بمنع دخول الهواتف المحمولة مع الطلاب إلى اللجان منعاً لمحاولات الغش باستخدام الجوال.