بعد إطباق العدو الإسرائيلي سيطرته على مدينة القدس المحتلة، بشقيها الشرقي والغربي عام 1967، سعى إلى إيجاد وسائل لسدّ الفجوة الكبيرة بين الشقين، لكونهما يختلفان اختلافاً كلياً عن بعضهما، إن من الناحية الثقافية أو القومية. فالشق الغربي صار يهودياً بصورة شبه كاملة بعد تهجير أهله الفلسطينيين منه عام ١٩٤٨. أما الشرقي، فبقي محافظاً على فلسطينيته وعروبته. لذلك، كان يجب لإسرائيل إيجاد طريقة تبرهن فيها لنفسها ولجمهورها أن القدس «الموحدة» هي فعلاً عاصمتها الأبدية، فصبت جهدها في سبيل إثبات مقولة العاصمة الموحدة طوال 49 عاماً من احتلال الشق الشرقي من المدينة، عبر زرع مستوطنات وبؤر استيطانية بين بيوت الفلسطينيين وعلى أراضيهم، ثم شق الشوارع الواصلة بين المستوطنات على حساب حقهم.

وبالإضافة إلى شق هذه الطرقات، أقام العدو شبكة مواصلات تخدمه في مسألتين: الأولى وصل المستوطنات المنتشرة في قضاء القدس وفي وسطها، والثانية تقطيع أوصال القرى الفلسطينية، فصارت الشوارع التي تمر منها الحافلات الإسرائيلية تخضع لسيطرة الاحتلال، حتى لو كانت هذه الطرق تقع في منطقة «ب»، أي تخضع لإدارة السلطة وسيطرتها من دون وجود أمني فلسطيني.
واستكمالاً للمشروع ولإحكام القبضة على القدس، صدّقت «اللجنة الداخلية» في الكنيست الإسرائيلي أخيراً على ما يسمى الخطة الشاملة للمواصلات في مدينة القدس، التي تنص على إنشاء شبكة مواصلات جديدة لخدمة المستوطنين بوسائل نقل مختلفة من حافلات نقل عمومي، إلى توسيع مسار القطار الخفيف، بالإضافة إلى إنشاء مسار جديد لسكة القطار الثقيل الواصلة بين مدينة يافا والقدس، وقطار هوائي (تلفريك) حول بلدة القدس القديمة.
ومن المقرر انتهاء العمل في المشروع الجديد عام ٢٠٢٥، كما أعلن رئيس بلدية الاحتلال في القدس، نير بركات. وسيعمل المشروع على وصل القرى الفلسطينية المهجرة، التي أقيمت عليها مستوطنات، بالمستوطنات الحديثة الإنشاء نسبياً. ويتمثل ذلك في إنشاء ثلاثة خطوط جديدة لسكة القطار الخفيف تمتد من قرية عين كارم مروراً بقرية المالحة، غربي القدس المحتلة، وصولاً إلى مستوطنة «جيلو»، جنوب القدس.
بعد الانتهاء من إنشاء سكة القطار الخفيف الجديد، التي ستكلف سبعة مليارات دولار أميركي، سيصير مجمل مسار القطار 60 كيلومتراً إذا ما أضفناها إلى سكة القطار الخفيف التي بدأ الاحتلال إنشاءها عام 2002 وافتتحت عام 2011 على امتداد 13.8 كلم، ومن المفترض افتتاح سكة للقطار الخفيف تصل مستوطنة «بسغات زئيف» شمال شرق القدس، بمستشفى «هداسا عين كارم» غربي القدس، خلال هذا العام، وسيصل طول السكة إلى 22.5 كلم.
ومن أهداف المشروع الجديد افتتاح السكة الحديدية الجديدة للقطار الثقيل الواصل بين القدس وتل أبيب، وستمر هذه السكة في أراضي قريتي اللطرون ولفتا المهجرتين عبر أطول جسر للسكة الحديدية في فلسطين التاريخية، وكذلك ستمر عبر نفق بطول 85 متراً. ويتجلى المشروع الاحتلالي في تمزيق التواصل العمراني والاجتماعي بين القرى الفلسطينية من خلال إنشاء الشوارع المسماة (20، 21، 22) التي تصل المستوطنات الإسرائيلية بعضها ببعض، على حساب أراضي قريتي بيت حنينا وشعفاط، وذلك وفق السياسة التي أعلنها رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، عند افتتاحه شارع رقم 20 بالقول إنهم يعملون على ربط القدس.
وشارع رقم 20 يصل مستوطنتي «بسغات زئيف» و«النافي يعقوب»، بشارع رقم 443 الذي يصل القدس بتل أبيب على حساب أراضي بيت حنينا، فيما يصل شارع رقم 21 بين مستوطنة «التلة الفرنسية» ومستوطنة «رامات شلومو»، على حساب أراضي قرية شعفاط، ما يتيح المجال للاحتلال لإنشاء وحدات استيطانية جديدة في المنطقة. فوق تلك الشوارع أنشأ العدو شارع رقم 4 (بيجن) جنوب القدس، الذي يقطع قرية بيت صفافا ويفصل بين أحيائها، ليربط مستوطنات الجنوب بمستوطنات الشمال.
وتشكل نسبة الأراضي التي صادرها الاحتلال لشق الطرق 6% من إجمالي أراضي المدينة المحتلة. ولم يكتف الاحتلال بهذا، فهو يمنع الفلسطينيين من إقامة منشآت سكنية أو تجارية في المنطقة المسماة «حرم الشارع»، التي تمتد على مساحة 75 متراً من جانب الشارع، وفق الباحث في «مركز أبحاث الأراضي» يعقوب عودة. وأوضح عودة أن هذه الشوارع تعمل على تداخل المستوطنات في القرى العربية في القدس، ما يعني عدم إمكانية فصل بعضها عن بعض في حال القبول بحل الدولتين الذي تسعى إليه جميع مبادرات السلام الأخيرة.