اتضحت بعض ملابسات تراجع الأمم المتحدة عن إدراج التحالف السعودي على «اللائحة السوداء» المخصصة للحكومة والمجموعات التي تسبب إيذاء الأطفال خلال النزاعات المسلحة، إذ تبيّن تعرُّض الأمين العام للأمم المتحدة لضغوط هائلة من السعودية وحلفائها، تمحورت حول قطع الدعم المالي عن المنظمة الدولية وبرامجها ووقف مساعدات الفلسطينيين.

فما إن أعلن الأمين العام بان كي مون إدراج التحالف السعودي على هذه القائمة بعد اتهامه بقتل 60% من الأطفال في حرب اليمن، انهالت الضغوط على مكتبه عبر مكالمات من وزراء خارجية دول خليجية عربية من منظمة التعاون الإسلامي، وفقاً لمصادر دبلوماسية في الأمم المتحدة تحدثت عن ضغوط «من هنا وهناك»، مؤكداً أن ما حصل هو «ابتزاز بمعنى الكلمة».
ونقلت وكالة «رويترز» عن المصدر أنه كان هناك تهديد أيضاً بـ«اجتماع شيوخ في الرياض لإصدار فتوى ضد الأمم المتحدة تقضي بكونها معادية للإسلام، ما يعني أنه لن تكون هناك اتصالات بدول منظمة التعاون الإسلامي ولا علاقات ولا مساهمات ولا دعم لأي من مشروعات أو برامج الأمم المتحدة». من جهته، نفى المعلمي أي تهديد باحتمال إصدار فتوى ووصف الأمر بـ«السخيف والمشين»، مؤكداً أن السعودية «لا تستخدم التهديدات ولا الترهيب وأنها ملتزمة جداً تجاه الأمم المتحدة».
ومن طرق الابتزاز التي تعرضت لها المنظمة، كان التلويح بورقة «الأونروا» (وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين). وأوضحت المصادر أن هذه الوكالة «سوف تتضرر على نحو خاص لو أعيد إدراج التحالف على القائمة السوداء»، بعد التهديد بقطع الدعم السعودي عنها. والسعودية هي رابع أكبر مانح لـ«الأونروا» بعد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، إذ قدمت قرابة مئة مليون دولار للوكالة العام الماضي. كذلك، إن الكويت والإمارات العضوين في «التحالف» مانحتان كبيرتان للوكالة، إذ قدمتا لها نحو 50 مليون دولار عام 2015.
ولم تصدر الضغوط التي تضع كيفية عمل الأمم المتحدة موضع مساءلة، عن الرياض فحسب، إذ أكد المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، أن الأردن والإمارات وبنغلادش اتصلت بمكتب بان للاحتجاج على الخطوة. وقال دبلوماسيون إن مصر والكويت وقطر عبرت لمكتب بان عن شكواها أيضاً.

«الغارديان»: ظهرت الأمم المتحدة كنادٍ للأغنياء وذوي النفوذ

بدورها، قالت المندوبة الأردنية في الأمم المتحدة دينا قعوار إن «التقرير اتهم التحالف، وبالتالي الأردن، بما أنه عضو فيه، لذلك اتصل وزير الخارجية الأردني بالأمين العام وعبّر له عن رأيه بأن التقرير منحاز، وأن المنظمة الدولية بحاجة للنظر فيه».
مجلة «فورين بوليسي» الأميركية، عدّت تهديد الرياض للأمم المتحدة «يُسقط السعوديين في عداد أخطر منتهكي حقوق الأطفال في مناطق الحروب». واسترجعت المجلة ما جرى في شهر آذار الماضي، حين طردت المغرب 84 عاملاً من بعثة السلام التابعة للأمم المتحدة المتخصصة في قضية الصحراء الغربية، بعدما قال بان كي مون إنها «أرض محتلة»، وذكرت أيضاً بتهديد الولايات المتحدة بقطع الكونغرس تمويله للأمم المتحدة، إذا أدرجت إسرائيل على القائمة السوداء بعد حرب غزة.
بدورها، أكدت صحيفة «ذي غارديان» البريطانية أن ما فعلته الأمم المتحدة يمحو الكثير من صدقية المنظمة الدولية على مستوى الدفاع عن حقوق الإنسان. ورأت الصحيفة أن الأمانة العامة للمنظمة الدولية «تبدو بتراجعها تخون أكثر الناس حساسيةً في العام، أي الأطفال الذين صُمم هذا المسار لحمايتهم».
وبذلك، ظهرت الأمم المتحدة، بحسب «الغارديان»، كنادٍ للأغنياء وذوي النفوذ، الذي يصوّب الاتهامات باتجاه مجموعات التمرد وميليشيات ظلامية، ولكن يحمي الانتهاكات التي ترتكبها الدول الأعضاء. وأكدت الصحيفة البريطانية أنه في حال إدراج التحالف السعودي على القائمة السوداء أو لا، هناك وقائع واضحة تؤكد أن الحملة السعودية قتلت مئات الأطفال ودمرت المدارس والمستشفيات.
في هذا الوقت، تستمرّ المحادثات اليمنية في العاصمة الكويتية، بعدما فرض شهر رمضان مزيداً من البطء على وتيرتها. وبعد تقليص اتفاق تبادل الأسرى إلى تبادل الأسرى الأطفال فقط، أعلنت حكومة الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي تسلمها 52 طفلاً يمنياً من التحالف السعودي تمهيداً لتسليمهم لذويهم.
وعلقت «أنصار الله» على هذا الإعلان نافيةً صحته. وقال المتحدث باسم الحركة اليمنية محمد عبد السلام، إنه «بعد الفحص الأولي لبعض الأسماء تبين أن المذكورين أُلقي القبض عليهم في عمليات تهريب وتسلل في الحدود اليمنية السعودية».
وشهد قصر بيان، مقر المحادثات اليمنية، أمس، الجلسة المشتركة الأولى في رمضان، حيث اجتمع الوفدان برعاية المبعوث الدولي إسماعيل ولد الشيخ.
وناقش الاجتماع مقترحات تشكيل سلطة توافقية في المؤسسات التنفيذية ومؤسسة الرئاسة إلى جانب تشكيل حكومة توافقية، وتشكيل لجنة عسكرية وأمنية توافقية، على أن يتزامن تشكيل اللجنة العسكرية مع تشكيل الحكومة، بالإضافة إلى تشكيل لجنة ضمانات ومتابعة لما سيتم عليه الاتفاق.
وفي اللقاء قدم وفد صنعاء احتجاجه على مماطلة وفد الرياض في ملف الأسرى ومحاولة تمييعه لاختلاق قضايا جانبية، وانتقد عدم جدية الأمم المتحدة في هذا الملف الإنساني.