على مرتفع في جبال البرز المشرفة على العاصمة الإيرانية طهران، عقد اللقاء الثلاثي لوزراء دفاع سوريا وإيران وروسيا، فهد جاسم الفريج وحسين دهقان وسيرغي شويغو. لقاءات ثنائية جمعت المتحاورين قبل الدخول إلى قاعة الاجتماع تحت عنوان مكافحة الإرهاب وسبل إرساء الأمن والاستقرار في سوريا.

الهدنة المعلنة برعاية أميركية ــ روسية كانت محور الاجتماعات. الحاضرون أجمعوا على هشاشتها، إضافة إلى أنها أعطت الجماعات المسلحة وقتاً كافياً لإعادة هيكلة قواتها الهجومية وإعادة التسلح بأسلحة نوعية استعملت لخرق الهدنة في حلب، وخاصة في ريفها الجنوبي. المهلة الروسية لما يوصف أميركياً بالجماعات المسلحة المعتدلة انتهت، في وقت يتشارك فيه الجانبان السوري والإيراني الدعوة إلى التحرك الجدي ضد هذه المجموعات، التي أصبحت في سلة واحدة بعد تحالفاتها مع «جبهة النصرة»، ومنع المزيد من الاستنزاف للقوات الحليفة لدمشق في مناطق حلب وريفها، في ظل تحرك «قوات سوريا الديموقراطية» بمساندة أميركية باتجاه الرقة. محور دمشق ــ طهران ــ موسكو وجد نفسه في موقف المتفرج، في ظل تقدم بعض القوى المدعومة خارجياً وإحرازها تقدماً ميدانياً، فيما يعيش الجيش السوري وحلفاؤه فترة دفاعية، التزاماً بالهدنة التي أصبحت ساقطة في المفهوم العسكري، بفعل هجمات المسلحين. فكان القرار واضحاً في الاجتماع الثلاثي، باتخاذ خطوات عملية لمواجهة الإرهاب والجماعات المسلحة حتى في مناطق نفوذ المجموعات التي تعتبرها واشنطن «معتدلة».

لافروف: إعطاء مزيد من الوقت للمعارضة أصبح أمراً ضاراً
ولترجمة هذه القرارات وجب وضع «جدول زمني» محدد، سيلتزم به حلفاء دمشق، وسيعمل به في مراحله الأولى في الشمال السوري. وأشارت بعض المصادر المواكبة للاجتماعات إلى أن الحدود مع تركيا ستكون مسرحاً للتحركات العسكرية لوقف قوافل السلاح والإمداد للمسلحين ومنع الجماعات المسلحة من استعادة قوتها، ووقف تقدمها على كافة المحاور، إضافة إلى إجبارها على الانكفاء، خاصة في حلب وريفها الجنوبي. هذا يعني أن الجدول الزمني سيأخذ في الاعتبار مسارين منفصلين ظاهرياً، متلازمين على أرض الواقع، إذ سيتم الضغط السياسي والدبلوماسي، وإيصال الرسائل إلى المعنيين بدعم الجماعات المسلحة، والتي سيتولى الجانب الروسي عبر الأميركيين إيصالها إلى تركيا والسعودية والدول الداعمة، بضرورة وقف الدعم العسكري والتوجه إلى الخيار التفاوضي نحو حل سياسي. هذا التوجه سيستكمل بتفعيل العمل العسكري، وفي حال استمرار تدفق السلاح والمسلحين، سيتم التعامل معها بالنيران، ما قد يؤدي إلى انهيار الهدنة التي أصبحت تشكل عبئاً على الجيش السوري وحلفائه، خاصة أن الجانبين السوري والإيراني يضغطان بشكل كبير لاستعادة المناطق التي تمت خسارتها خلال الهدنة، وعلى رأسها خان طومان ومحيطها، خاصة أن الوجود العسكري للمسلحين في تلك المنطقة يمثّل تهديداً لمناطق السيطرة في غرب مدينة حلب، وبالتالي من غير المقبول القبول بهدنة تخلق تهديداً بحصار حلب المدينة. الإعلان الإيراني ــ السوري عن رفض الهدنة التي تسمح للمسلحين باستعادة قواهم والتحذير الذي أطلقه وزير الدفاع الإيراني عن مخاطر جديدة تواجهها المنطقة بعد تحذيرات من احتمال وصول تنظيم «داعش» إلى «أسلحة نووية»، بعد استخدامه «الكيميائية»، يمهّدان لانطلاق موجة جديدة من المواجهة لكبح جماح هذا التهديد. وزير الدفاع أكّد أمام ضيوفه أن التوصيف السعودي والأميركي لبعض المسلحين بـ«المعتدلين» هو «كذبة واهية»، وبالتالي فإن ضرورة ضرب الإرهاب عسكرياً يعدّ «أصلاً ثابتاً» في إرساء الاستقرار في المنطقة.
الاجتماع الثلاثي أتى بالتوازي مع تشديد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على ضرورة استثناء تنظيمي «داعش» و«جبهة النصرة»، إضافة إلى الجماعات المتعاونة معهما، من نظام وقف العمليات القتالية. الأخير، أوضح خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الأردني ناصر جودة، أن الأولوية في المرحلة الحالية هي «ضمان الالتزام الكامل والمطلق بنظام وقف الأعمال القتالية... إضافة إلى ضرورة وضع حدّ لتسلل الإرهابيين والأسلحة من تركيا». وحذّر من أن التباطؤ في استهداف الإرهابيين بذريعة إعطاء مزيد من الوقت للمعارضة المسلّحة للتنصل من مواقع «داعش» و«النصرة» أصبح أمراً ضاراً، مذكّراً بأن الوقت كان كافياً لأي فصيلٍ مسلحٍ لاختيار «ما إذا كان سينضم إلى نظام وقف الأعمال القتالية أو لا». وأكد أن الجماعات التي لم تنضم إلى نظام الهدنة أو تلك التي تخرقها رغم انضمامها إليها، يجب أن «تتحمل كامل المسؤولية عن قرارها»، مضيفاً: «إنني أعوّل على أن ينضم شركاؤنا الأميركيون... كي لا نسمح للإرهابيين باستغلال الوضع الراهن لتعزيز مواقعهم على الأرض». وأشار لافروف إلى إحراز تقدم ملحوظ في عمليات إيصال المساعدات الإنسانية، معرباً عن قلق موسكو من تباطؤ الجهود الرامية إلى دفع المحادثات السورية ــ السورية قدماً إلى الأمام.
الجدول الزمني والخطط التي خرج بها الاجتماع، والتي سيبقى الكثير منها سرياً وداخل غرفة العمليات المشتركة لمكافحة الإرهاب، تنبئ بمرحلة جديدة من التعاطي العسكري مع الأزمة السورية، الذي يعتمد على توجيه الضربات الدقيقة واختيار الأهداف الاستراتيجية التي من شأنها أن تشل بعض تحركات المسلحين، وتجبر الدول الداعمة لهم على العودة الى طاولة المفاوضات وتقديم تنازلات تحت ضغط النار.