تتسع دائرة التجاذب السياسي، بالرغم من العطلة التشريعية التي بدأها البرلمان قبل عشرة أيام، فالمحكمة الاتحادية لم تتمكّن من حسم الصراع، الذي تسبّب بتوقف الجلسات منذ أكثر من شهر. وهذه هي المرة الثالثة التي تؤجل فيها جلسة النظر بطعن جلستي إقالة رئيس البرلمان سليم الجبوري، وإقالة خمسة وزراء من الحكومة الحالية، وسط تجاذبات سياسية مستمرة أفرزتها مطالبات بالإصلاح وتظاهرات عدة، بدأت منذ الصيف الماضي.

في الوقت ذاته، أضْفَت خطوة رئيس الوزراء حيدر العبادي المتمثلة بإعفاء مسؤولين حكوميين رفيعي المستوى من مناصبهم، المزيد من الجدل القانوني بشأن دستورية الإجراءات، مع وجود برلمان معطّل. وبالرغم من عدم حسم قانونية الجلسة التي عقدت في 14 نيسان، فقد اضطرت هيئة الرئاسة إلى البدء بالعطلة التشريعية التي تستمر شهراً كاملاً، وتنتهي في آخر حزيران، وذلك على أمل أن تبت المحكمة الاتحادية بالقضية، وتنهي الانقسام الكبير، والأول من نوعه، داخل السلطة في العراق.
ويكمن تعقيد الأزمة الحالية في أن البرلمان يواجه انقساماً غير تقليدي، لأن «جبهة الإصلاح» التي تخوص نزاعاً قانونياً بشأن رئاسة البرلمان، والتي تشكلت للمطالبة بإطاحة الرئاسات الثلاث، تضم نواباً عن الكتل الثلاث الكبيرة، التي تتقاسم النفوذ في البرلمان. وتعد القضية التي تنظر فيها المحكمة الاتحادية، الأهم منذ تشكيلها عام 2005، وذلك لأنها تتعلق بمصير مجلس النواب الذي انشطر إلى أكثر من جهة تجعل من المتعذر استمرار البرلمان، من دون أن تتخذ المحكمة الاتحادية قراراً حاسماً.

القضية التي تنظر فيها المحكمة الاتحادية هي الأهم منذ تشكيلها

وفي هذا السياق، قال النائب عن «جبهة الإصلاح» فريد الإبراهيمي لـ«الأخبار»، إن «قرار المحكمة الاتحادية سيكون مصيرياً، ولا يمكن المجازفة به واتخاذه بشكل متسرع»، مضيفاً أن «الموضوع مصيري، ويحدّد مرحلة مهمة في تاريخ العملية السياسية».
وما زاد من حدة التعقيد، أن الإجراءات لم تكن ذات جدوى لإنهاء التداعي السياسي، بالرغم من مرور فترة ليست قصيرة على الجلسات المثيرة للانقسام، فلا البرلمان تمكن من إيجاد تسوية سياسية مع «جبهة الاصلاح»، تضمن استئناف جلسات البرلمان بانتهاء العطلة التشريعية، ولا خطوات رئيس الوزراء كانت محل رضا، وخصوصاً من قبل من يتبنى التظاهرات، وعلى رأسهم زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر، الذي ساند، أخيراً، دعوات لإعادة إذكاء الحراك، في شهر رمضان.
وقد فتحت خطوة الصدر الباب أمام جملة توقعات بأن تزداد حدّة التصعيد، وخصوصاً أن يوم الثلاثاء الماضي شهد تظاهرات مسائية تطالب بمكافحة الفساد، وإنجاز التغيير الحكومي. وعن هذا الموضوع، قال المتخصص في الشأن العراقي عزيز حسن إن «العبادي لم يتمكن من تهدئة الشارع بخطوات جريئة، وحتى قراراته الأخيرة تبدو حلولاً جزئية لا تعالج المشكلة». وأضاف لـ«الأخبار» أن «التغيير الحكومي الشامل هو الذي يمكن أن يدفع إلى إسكات العدد الأكبر من المتظاهرين، الذين ينتمون للتيار الصدري، وهذا غير ممكن في الوقت الحالي، ذلك أنه من المرجح أنه حتى إجراء تغيير الوزراء الخمسة ستلغيه المحكمة الاتحادية».
ويبدو أن دعوة رئيس الجمهورية فؤاد معصوم للمحكمة الاتحادية (21 من أيار الماضي) «للتعجيل الاستثنائي» لبت مشكلة مجلس النواب تشير إلى الوضع الحساس الذي يواجهه البرلمان، وأيضاً إلى رغبة الرئاسات في إنهاء الانقسام في البرلمان، أملاً في إمكانية تسيير إصلاحات تنهي الأزمة الحالية.
وكان العبادي قد أصدر أمراً، قبل أيام، بإعفاء رئيس جهاز المخابرات الوطني زهير الغرباوي من منصبه، وإحالة رئيس شبكة الإعلام العراقي محمد الشبوط إلى التقاعد. كما أمر بإعفاء مديري مصارف التجارة والرشيد والرافدين والعقاري والصناعي والزراعي، من مناصبهم.
وفي هذا الإطار، قال النائب السابق والقانوني وائل عبد اللطيف إن العبادي في قراراته تبيّن أنه يفتقد لمستشارين قانونيين قادرين على تقديم النصائح في مسائل حساسة، فالكثير من قرارته جرى بطلانها بالمحاكم، منها إعفاء مديري عامين. وأضاف لـ«الأخبار» أن «كل منصب يستحدث بطريقة قانونية دستورية، يجب أن ينتهي بالطريقة ذاتها مع مبررات، وبالتالي تنصيب أي مسؤول عن طريق البرلمان، لا يمكن أن يُبطل إلا عن طريق البرلمان». وتابع أن «تعيين أي موظف من منصب المدير العام إلى ما فوق، يُصوَّت عليه في مجلس الوزراء وبعدها ينقل إلى البرلمان لإقراره، أما التعيين بالوكالة فهي حيلة قانونية تعود بالضرر على الدولة».