خطوة جديدة خطاها، أمس، رئيس "حكومة الوفاق الوطني"، فائز السراج، والقوى المساندة له، محلياً ودولياً، نحو تكريس سلطته في البلاد، تمثلت بالاقتراب من استعادة السيطرة على مدينة سرت، معقل التنظيم، ومسقط رأس العقيد معمّر القذافي.

وتقدمت الفصائل المسلحة، المؤلفة أساساً من مقاتلين من مدينة مصراتة في غرب البلاد، بسرعة، مجبرة مقاتلي التنظيم على التراجع بطول الطريق الساحلي الواقع غربي سرت، قبل السيطرة على عدد من النقاط الاستراتيجية على أطراف المدينة، بينها قاعدة جوية وعدد من المعسكرات وساحة استخدمها التنظيم سابقا لتعليق جثث أعدائه بعد إعدامهم. فيما قال جهاز حرس المنشآت النفطية، وهو فصيل مسلح يسيطر على المرافئ النفطية في شرق البلاد، إنه يتقدم من ناحية الشرق للوصول إلى مدينة هراوة التي تبعد نحو 70 كيلومتراً إلى الشرق من المدينة.

يتأكد يوماً تلو الآخر حجم الدعم الدولي المبهم المقدّم للسراج

وكان تنظيم "داعش" قد سيطر على سرت (450 كلم شرق طرابلس) في شهر كانون الثاني 2015، وذلك بعد انسحاب "الكتيبة 166" التابعة لقوات "فجر ليبيا". كما سيطر أيضاً على أكثر من 200 كلم من الساحل اللبيبي المطل على المتوسط على جانبي سرت. ومنذ أكثر من شهر، بدأت القوات العسكرية التي تدين بالولاء للمجلس الرئاسي لـ"حكومة الوفاق الليبية" المنبثق عن الاتفاق السياسي الموقع بمدينة الصخيرات المغربية نهاية 2015 في شن عملية عسكرية أطلقت عليها اسم "البنيان المرصوص" ضد تنظيم "داعش" في منطقة شمال وسط ليبيا.
وفي قراءة سريعة للحدث، فإنه يخفي مؤشرين مهمين. أولاً، نجحت حكومة السراج منذ وصولها إلى طرابلس في نهاية شهر آذار الماضي في خلق دينامية سياسية جديدة، ساعدتها في عمليات استقطاب قوى محلية إلى جانبها. ثانياً، يتأكد يوماً تلو الآخر، حجم الدعم الدولي المقدّم للسراج، دون الكشف عن طبيعته بصورة علنية.
عملياً، منذ وصولها إلى طرابلس، سعت "حكومة الوفاق" إلى دمج عدد من الفصائل المسلحة الرئيسية في ليبيا في جيش موحد رغم ما تواجهه من رفض لهذه الجهود من جانب سياسيين وعسكريين في الشرق. وبين المعارضين البارزين لـ"حكومة الوفاق"، الفريق خليفة حفتر، الذي شنت قوات موالية له حملة عسكرية في بنغازي خلال العامين الماضيين. وقد عينت "حكومة الوفاق" قائداً آخر من الشرق، هو مهدي البرغثي، كوزير للدفاع يسعى إلى سحب التأييد الذي يتمتع به حفتر.
المحلل في "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية"، ماتيا توالدو، أوضح أنّ الأهداف المشتركة في الوقت الراهن، مثل هزيمة "داعش" (الذي بدأ يسيطر على عدة مدن ليبية منذ أواخر عام 2014) وتقليص نفوذ حفتر، دفعت كتائب مصراتة والبرغثي وحرس المنشآت النفطية إلى التعاون. ورأى أنّ "ما يحدث يمثل درجة تنسيق استثنائية بالقياس للمعتاد في ليبيا... إنه تنسيق بين أطراف كانت تحارب بعضها البعض قبل عام واحد"، قبل أن يستدرك قائلاً: إنّ أي مكاسب حققتها مؤخرا "حكومة الوفاق" تعدّ "هشة" مع توقعات بأن يحاول حفتر العودة للساحة ومع تعرض الولاءات الحالية لخطر التفكك إذا ما تحققت السيطرة على سرت.
على جانب آخر، تبقى طبيعة الدعم الغربي لحكومة السراج غير واضحة، وخصوصاً أنّ في الخامس من الشهر الجاري استبعد السراج "تدخلاً عسكرياً دولياً" لمكافحة التنظيم كما يحدث في العراق وسوريا، وذلك في وقت ألمح فيه مبعوث الامم المتحدة الى ليبيا، مارتن كوبلر، إلى وجود قوات خاصة أميركية وفرنسية في ليبيا، وهو أمر لم يتأكد بشكل رسمي.
وفي السياق نفسه، أعلن وزير الدفاع الفرنسي، جان ايف لو دريان، قبل يومين، أنّ بلاده "تقوم بعمل استخباري منذ بعض الوقت"، من دون تأكيد وجود قوات خاصة، وهو ما ذكرته صحيفة "لوموند".
(الأخبار، أ ف ب، رويترز)