الاحتقان الذي تعيشه مدينة سلميّة (ريف حماه الجنوبي الشرقي) ليس وليدَ أحداث اليومين الأخيرين فحسب. المدينة التي عُرفَت طويلاً بلقب «مدينة الفقر والفكر» أضافت إلى لقبها في السنوات الأخيرة مُفردةً جديدة هي «القهر». وتبدو سلميّة مثالاً على مدن كثيرة بقيت تحت سيطرة الدولة السوريّة، لكنّ سلطةَ «مُفرزات الحرب» تفوّقت فيها على سلطة الدولة بمعناها الكلاسيكي في مرات عدّة. قائمة الأمثلة المشابهة في هذا السّياق طويلة بدءاً بسلميّة مروراً بمصياف وليس انتهاءً بجبلة واللاذقيّة، مع اختلافات في التفاصيل والحيثيّات تفرضُها تركيبة كلّ من هذه المناطق. منذ عام 2011 وحتى اليوم مرّت مدينة سلميّة بمراحل عدّة. 2011 كان عام التظاهرات، أمّا 2012 فعام الانفلات الأمني وحوادث الاختطاف المتكرّرة، و2013 عام التفجيرات الإرهابيّة. ويمكن القول إنّ مرحلة الاحتقان الطويلة بدأت منذ عام 2014 ولم تنته حتى الآن، مع تباين في مستويات هذا الاحتقان تبعاً للمجريات. وخلال الأعوام الماضية شهدت المدينة حالات «حبس أنفاس» عدّة كان القاسم المشترك بين معظمها حملة السلاح بذريعة الانتماء إلى «اللجان الشعبيّة» حيناً و«الدفاع الوطني» حيناً وتحت عنوان «الدفاع عن المدينة»!
مقتل ثلاثة من

سلمية على أيدي مسلّحين من المدينة

أحدث الحالات في هذا الإطار بدأت مُجرياتُها أوّل من أمس الخميس، وأفضَت إلى مقتل ثلاثة من أبناء المدينة (كنان أبو القاسم، علي السنكري، عبد الجبار إبراهيم) على أيدي مسلّحين محسوبين على أحد قادة «الدّفاع الوطني» في سلميّة، قبل أن يُقتل أمس واحد من المنتمين إلى المجموعة ذاتها (لؤي حمدان) انتقاماً للشبّان الثلاثة. وتضاربت الروايات حول السبب المباشر لاندلاع الأحداث الأخيرة، لكنّها أجمعت على أنّها بدأت بإطلاق المسلحين النار على كلب وإردائه قتيلاً! وتفيد إحدى الروايات بأنّ «الكلب اعترض طريق المسلّحين الذين كانوا يهمّون بسرقة أحد البيوت ليرديه واحدٌ منهم، قبل أن يتطوّر الأمر إثر وصول عدد من أبناء المدينة وتلاسنهم مع المسلّحين الذين قتلوا ثلاثة شبّان». فيما ذهبت رواية ثانية إلى أن «إطلاق النار على الكلب جاء بهدف استعراض القوّة والاستفزاز، وكانت النتيجة مقتل ثلاثة من أبناء المدينة». بعد وقوع الجريمة تنادى عددٌ من عائلات المدينة إلى الاعتصام للمطالبة بتسليم القتلة، وأعلنت عائلاتُ المغدورين أنّها لن تقوم بدفن أبنائها قبل تحقيق هذا المطلب. نُفّذ الاعتصام، كما قام المحتجّون بقطع بعض الطرقات داخل المدينة. كذلك، شهدت بعض الأحياء أعمالاً تخريبيّة قبل أن يتلقّى المعتصمون وعوداً بـ«محاسبة المجرمين» ويتمّ فضّ الاعتصام. ظهيرة الجمعة تجدّد الاعتصام، قبل أن تتوارد أنباء عن «مقتل لؤي حمدان انتقاماً لقتلى الخميس». ويشرح واحد من أبناء سلميّة لـ«الأخبار» أنّ «حمدان هو أحد قادة اللّجان التي ينتمي إليها المعتدون، وقتله لم يكن بدافع الانتقام فحسب». المصدر أكّد أن القتيل «تعمّد التجوال في مناطق سكن العائلات المفجوعة بطريقة استعراضيّة، وقام بسلوكيّات مستفزّة في وقت كانت فيه المدينة تغلي، فوقع المحظور»، وهي رواية كرّرتها ثلاثة مصادر أخرى من أبناء المدينة. مكمن الخطر الأبرز يعود إلى الانتماءات الطائفيّة المختلفة بين ضحايا الحادثة الأولى وقتلتهم، وهو الوتر الذي حاولت بعض الأطراف العزف عليه. فيما أجمع عدد من أبناء المدينة تحدّثت إليهم «الأخبار» على أنّ «القضيّة لا تصبّ إطلاقاً في هذه الخانة، بل في خانة محاولة فرض هيمنة ميليشياويّة على أبناء المدينة». وعلمت «الأخبار» أنّ اجتماعاً موسّعاً عُقد أمس في مقر «المجلس المحليّ الأعلى» في سلميّة بحضور عدد من المسؤولين الأمنيين، وعدد من كبار العائلات في المدينة، وقادة من اللجان والدفاع الوطني، بهدف «احتواء الوضع وقطع الطريق على الفتنة». وقال أحد وجهاء المدينة لـ«الأخبار» إنّ «مطالب أبناء سلميّة واضحة ومُحقّة وبسيطة: محاسبة القتلة تحت سلطة القانون وفرضه على الجميع». فيما أضاف عدد من شبّان المدينة تحدّثت إليهم «الأخبار» مطلباً آخر هو «إنهاء كل مظاهر التّشبيح الذي بات حاضراً في كل تفاصيل حياتنا».