على بعد ذاكرة وقفت أنادي جدتي التي كانت هناك ومرت من هنا.. كانت الحرب هناك.. وفيها اجتمعت جميع الفنون لتكتب الحكاية، وتقول في ما تقول. جدتي كانت سيدة جميلة وكان اسمها مثلها.. جميلة. لم أنادها يوماً بجدتي، كان اسمها أمي، وحتى اليوم لا أعرف كيف ناديتها أمي، وكيف استمر الأمر هكذا، كبرت وهي أمي، رغم وجود أمي.

في بلد الشيخ، بلدها، كانت تخرج في الصبح لتزرع الأرض.. وتخفي في التراب عشقها لحفيدها الأول.. أنا.. ولابنها الذي هو أبي ولابنها الثاني عمي.. هناك تركتني تحت التراب..
في بلد الشيخ، لم تكن قد تزوجت جدي بعد، هناك كان رجال ونساء وأطفال، كانت هناك ضحكات.. ورجل صار بعد حين قريبي من جهة أبي.. كان يركب خيله، ويقال إنه سقاه مرة، خمراً، ربما لتستطيب المروج خلف الكرمل، لمساحات خياله وأحلامه..
ويقال أيضاً، أن جدي الأول، كان صوفياً، وربما هذا صحيح، ففي القرية حتى اليوم مقام الشيخ سهل.. وفي عائلتي بعض آثار من هذه الحالة، تظهر بين حين وآخر، وربما ظننت نفسي مرات امتداداً لهذا الجد الذي رحل وبقي اسمه مرتبطاً بعائلتي.
هذا المكان اليوم، بعيد كذاكرة جدتي التي رحلت عن الدنيا قبل عقد، وقريب كاسمها الذي ناديتها به كل العمر، أمي.. كم أضحك الآن، حين أذكر وجهها الأبيض، وشعرها الأبيض، وكيف كان يصير أحمر بعد جلسة حناء. لما كانت تجلس بعد استحمامها، تمشطه، كانت كالصبايا الصغار، في حينها أذكر الآن تماماً، أني كنت أراها فتاة صغيرة تتدلع بشعرها، كانت تتذكر صباها الأول، وتخجل أن تصرخ، إني أنا تلك التي في بلد الشيخ..
في تلك البلدة الموجودة في الجنوب، ثمة حلم نائم في بطن الأرض.. زرعتني جدتي قبل أن تلد أبي، ونبتُّ رويداً رويداً، وما زلت أنمو..
هذه الكتابة التي هي على قيد الفكرة، لا أعرف إلى أين تريد الذهاب، ليس فيها احتلال، ولا أريده أن يكون فيها، أريد فيها جدتي جميلة وقريتنا..
كتابتي، لم تستطع أن تقترب كثيراً من الحدود، فحين أذهب إلى هناك، أي إلى أقصى جنوب لبنان، في نقطة اللقاء الأبدي مع شمال فلسطين، أجدني لا أنشد للمشهد، ولا أقترب منه حتى، أبتعد، أبتعد فقط لأرى جدتي التي لم تمر من لبنان، بل من سوريا.. أراها هادئة، تفكر بي، تفكر بمن سيحرسني في التراب، ومن سيجلبني إليها بعد حين.. تفكر في احتمال غسان كنفاني بروايته "عائد إلى حيفا"، أن أولد هناك، في عائلة أخرى، وأصبح منها، ولها، ولا أكون لأمي جميلة فلسطينياً.
أراها تبكي، تريد الرجوع، ولا تعرف كيف، فالحدود التي أقف على تماسها بين حين وآخر، كلما سنحت الواسطة والحواجز، ممنوعة عليها الآن، أقف بانتظارها، لأمسح دمعها وأخبرها أني هناك ما زلت بانتظارها، فقد صرت زيتون الديار..
مجدداً يحاول الاحتلال أن يدخل إلى هذا النص، أبعده ما استطعت، فيخرج عليّ من قسمات وجه جدتي، ذاك الوجه الذي رأيته في يومها الأخير يضحك ويقطر ورداً وبرتقالاً، البرتقال يومها كان في يدها، تقشره، أو تقشر الندى عن أملها القديم القديم، ذاك الذي صار ماضياً، ويتجدد مع أغنيات رددتها كثيراً على مسمعي، لتضحكني، لتجعلني أفرح..
البرتقال الذي في يدها لم يرحم ذاكرتي، ويداها وثوبها الأزرق، وعيونها التي ودعتني آخر ما ودعت، ويدي التي نامت تحت رأسها حين رحلت.. لم تكن توصيني بفلسطين، ولم تكن تريد مني أن أذهب خلفها إلى قبرها، كانت لا تريد مني سوى حراسة ذاكرتها، فودعتني بنظرة تكاد تكون، عينا بقلبي..
لم تحدثني عن فلسطين كثيراً، عكس معظم الجدات، ربما أرادت دون أن تدري تفقد الحلم، ولا أعرف كيف لقلبها أن يكون لو ذهبت إلى البلاد وهي بيننا. ربما كانت ستوصيني بتفقد بذرتها في بلد الشيخ، أنا حفيدها الأول، لأخرجني من التراب، كي ألتقيها، لأحملها إلى غدها مثلما حملتني إلى غدي.