في غزة الموت عادة والحياة استثناء. فالطفل في العاشرة من عمره عايش ثلاث حروب متتالية، ولم يمرّ عليه يوم واحد من دون انقطاع الكهرباء. فليست آلة القتل الإسرائيلية التي حصدت الأرواح براً وبحراً وجواً هي الوحيدة التي تنتج الموت، فهو يلبس أثواباً أخرى كثرت وتنوعت حتى صار لسان حال أهل المدينة يردد ما ورد عن الإمام علي: "ألا أيها الموت الذي ليس تاركي... أرحني فقد أفنيت كل خلّي... أراك خبيراً بالذين أحبهم... كأنك تسعى نحوهم بدليل".


الموت حرقاً

لا يوفّر أهالي غزة حلولاً للتغلب على الظلام إلا وجرّبوها. إلا أن الاحتلال أيضاً لم يترك لهم طريقة إلا وأفسدها، حتى أصبحت الشمعة هي مصدر النور الوحيد والأكثر انتشاراً لسهولة توفيرها وزهد ثمنها. لكن ثمن إنارتها كان باهظاً، فحصدت هذه الشموع الصغيرة أرواح 29 شخصاً في السنوات السبع الماضية، غالبيتهم من الأطفال. وكان آخر الضحايا أطفال عائلة الهندي الثلاثة: يسرى ورهف وناصر الذين أذابت الشموع أجسادهم في منزلهم الصغير بمخيم الشاطئ للاجئين غربيّ غزة، وبقي أخوهم الرضيع، ذو الشهرين فقط يُعالج في المستشفى من أثر الحروق.

الموت قهراً وشنقاً

توفي خلال هذا العام عدد من الشباب الغزيين بسكتة قلبية مفاجئة، منهم صحافيون عايشوا الحرب الأخيرة وقاموا بتغطيتها بعدساتهم وأقلامهم. ومن بين هؤلاء الصحافي الشاب شادي مشعل (33 عاماً) الذي توفي بسكتة قلبية بداية هذا العام، تبعه الطالب عطية سليمان (28 عاماً) بسكتة قلبية أيضاً. ولا يكاد يمر شهر في هذا العام إلا ونسمع خبر انتحار أحد الشبان بطريقة مختلفة، ويبدو تفسير ذلك ليس صعباً، فتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وانسداد أفق الحل السياسي جعل الكثير من الشباب يفكرون في إنهاء حياتهم بطريقة ما.

سجلت حالات الانتحار بين صفوف الفلسطينيين في قطاع غزة، معدلات غير مسبوقة في العام الجاري إذا ما قورنت بالعام السابق الذي سجلت فيه خمس حالات بحسب مركز الميزان لحقوق الإنسان. وقد اختلفت طرق الانتحار ما بين الشنق أو إحراق النفس أمام جمع من الناس أو في الأماكن العامة أو تناول مبيدات حشرية، وحتى القفز عن ارتفاع شاهق. كلّ هذا دعا القوى الوطنية والإسلامية في غزة الى إصدار بيان قبل أشهر "يحذر من تدهور الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة الذي أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتسبب بالعديد من حوادث "الموت قهراً" مؤخراً، جراء استمرار الحصار المفروض للعام العاشر على التوالي".

معبر رفح يقتل أيضاً

لك أن تتخيل أن مدينة كاملة هي بمثابة أكبر سجن في العالم، فيسكنها قرابة مليوني إنسان ولها باب واحد تغلقه السلطات المصرية منذ أكتوبر 2014 ولم تفتحه إلا 33 يوماً فقط بشكل استثنائي، منها 8 أيام باتجاه واحد و4 أيام للحجاج، وبعض الأيام لاستقبال جثث أهلها الذين توفوا في الخارج، بينما ينتظر المئات منهم فتحه للعلاج في الخارج أو الدراسة أو العودة الى مكان الإقامة الأجنبي.
ومعبر رفح حصد أرواح الناس أيضاً، بعد أن قتلهم بالانتظار. ومع أن الضحايا كثر، إلا أن آخرهم كان المسعف ناصر بركات الذي لطالما أنقذ الناس من الموت ولكن تأخر فتح المعبر لأشهر كان سبباً في أن يأكل السرطان جسده بعد أن نجح في الإفلات من بوابة المعبر للعلاج في مصر ثم عاد عندما فتحت بوابة الموت أبوابها مرة أخرى ليموت بعد يومين من وصوله الى غزة. ولا ينسى أحدنا صورة الحاجة يسرى الخطيب التي توفيت أثناء انتظارها في الجانب المصري من معبر رفح من شدة حرارة الشمس قبل عام واحد فقط.

الكرفانات القاتلة

بعد أن هدمت بيوتهم في العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، سكن أهالي البيوت المدمرة في كرفانات خشبية وحديدية في مخيمات صغيرة أقيمت على أنقاض بيوتهم المهدمة التي لم تُعمّر بعد. ولكن الموت لم يتركهم وحدهم بل لاحقهم حتى نال منهم فقتلهم من شدة الحر صيفاً ومن شدة البرد شتاءً، كما الطفل حماد خالد الدرديسي (شهران ونصف)، من سكان كرفانات منطقة الزنّة شرقي خان يونس، الذي توفي إثر موجة البرد التي عصفت بفلسطين في شهر آذار/ مارس الماضي وأصيبت شقيقته التوأم بحالة حرجة. هذه الكرفانات المتهالكة أيضاً أدت إلى وفاة الطفل مجدي المصري منتصف شهر مايو هذا العام إثر سقوط بوابة على جسده الصغير فقتلته بعد أن نجا من حرب دمرت منزل أسرته قبل عامين تقريباً.

تعددت الأسباب والموت هو الثابت في غزة حيث لا مفر من الموت إلا إليه، واستمرار الأمور في هذا الاتجاه سيؤدي حتماً إلى ولادة طرق جديدة للموت لم نكن نتخيلها، كما لم نتخيل أن يعيش طفل مع أسرته في كرفانات خشبية لا تقي حر صيف ولا برد شتاء، فالموت صار صفة في المدينة وكأنه كان قد عرض صفقة على أهلها ألا يفارقهم فردوا عليه كما قال الشاعر أحمد مطر في قصيدته:
أيُّها الموتُ... عزيزي
لكَ شُكري
انتظرْ
إنِّي سأدعوكَ إلَي...
قَسماً إنِّي سأدعوكَ إلَيْ
عندما أشعُرُ يوماً
أنَّني يا موتُ... حَيْ