خيّمت ظلال الأزمة الاقتصادية على التعديل الحكومي الذي أعلِن في الجزائر، أول من أمس، من خلال تغيير عدة وزراء في مجالات تعوّل عليها الحكومة لرفع معدل النمو في البلاد، خارج المحروقات، لكن هذا التعديل ليس مجديا في نظر المعارضة الجزائرية، التي وصفته بأنه محاولة "لإلهاء الرأي العام الوطني".

وأجرى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، تعديلا وزاريا هو الخامس من نوعه في أربع سنوات على حكومة الوزير الأول، عبد المالك سلال. وحمل هذا التعديل الذي كان منتظرا بعد التعديل الدستوري، بصمات الاقتصاد، وخلا من أي إشارات سياسية، عدا إبعاد الوزير، عمار غول، أحد أقرب الموالين للرئيس بوتفليقة من الحكومة بعدما عمّر فيها لأكثر من 17 سنة، وكذلك إخراج وزير العلاقات مع البرلمان، الطاهر خاوة، بعد خلافاته الأخيرة مع الأمين العام لـ"أفلان"، عمار سعداني، الذي ينتمي إليه الوزير.
وفي أبرز ما حمله هذا التعديل، جرت إطاحة وزير المالية، عبد الرحمن بن خالفة، وتعيين حاجي بابا عمي، بدلا منه، وذلك على خلفية الانتقادات الواسعة التي وجهت إلى هذا الوزير بسبب عدم نجاحه في إحداث الإصلاحات اللازمة في القطاع المصرفي الجزائري، الذي يصنف من بين الأسوأ في المنطقة، ويعدّ من أكثر القطاعات عرقلة للاستثمار في الجزائر بسبب عدم قدرته على إزالة عراقيل التمويل في البلاد برغم توافر سيولة ضخمة.
كما جرى إحداث تغيير مهمّ على مستوى وزارة الطاقة، بإنهاء مهمّات الوزير، صالح خبري، وتعيين نور الدين بوطرفة، الذي كان يشغل حتى الآن منصب المدير العام لشركة "سونلغاز" (أكبر شركة لإنتاج الكهرباء في الجزائر). وكان هذا التغيير ملحا في الجزائر بحسب الاقتصاديين، نظرا للركود الكبير الذي شهده قطاع الطاقة بتراجع إنتاج النفط والغاز، في مقابل فشل الجزائر في إجراء المناقصة الدولية الخامسة للاستكشاف لتجديد احتياطيها، إضافة إلى الضغط الذي صار يفرضه الشركاء الأوروبيون على الجزائر لتجديد عقود الغاز الطويلة الأجل بأسعار أقل تماشيا مع تراجع أسعار النفط، وهو ما يستوجب من الجزائر الاستعداد جيدا للمفاوضات المرتقبة بعد سنتين.
وحاولت الرئاسة الجزائرية إعطاء نفَس جديد لبعض القطاعات الاقتصادية المعول عليها مثل السياحة والفلاحة بتغيير وزرائها، كما لجأت إلى فكرة دمج أكثر من وزارة في حقيبة واحدة، وهو ما حدث مع النقل والأشغال العمومية، لخفض التكاليف نظرا للضغط الكبير الذي باتت تمثّله نفقات التسيير على ميزانية الدولة.
ويأتي هذا التعديل بعد نحو أسبوع من إعلان الوزير الأول عبد المالك سلّال، اعتماد الجزائر نموذجا اقتصاديا جديدا، يعتمد على نحو رئيس على النمو الاقتصادي في قطاعات الصناعة والفلاحة والسياحة، وإيجاد التمويل من خارج خزينة الدولة للمشاريع العمومية، وذلك للخروج من أسر الاعتماد على المحروقات كمصدر وحيد للدخل في البلاد، علما أن هذا المورد يضمن حتى الآن 98 بالمئة من مداخيل الجزائر من العملة الصعبة، الأمر الذي أدى بعد انخفاض أسعار البترول إلى صدمة مالية للجزائر التي فقدت 75 بالمئة من مداخيلها خلال سنتي 2014 و2015.
لكن هل ستنجح الحكومة الجديدة في إخراج الجزائر من شبح الأزمة الاقتصادية؟ سؤال تجيب عنه المعارضة بالنفي القاطع، لأن المشكلة وفق عبد الرزاق مقري، رئيس "حركة مجتمع السلم"، "ليست في قطاعات وزارية لم تحقق نجاحا فقط، بل هي أيضا في منظومة حكم بكامله لم تنجح... وما تفعله حاليا لا يعدو كونه للإلهاء".
وأضاف مقري، الذي يقود أكبر حزب إسلامي في البلاد، أن "النظام السياسي يخطئ كثيرا حين يعتقد بأن المشكل في البرامج أو النظم أو حتى في الموارد المالية والبشرية، مشكل الجزائر هو في الحكم الراشد.. نظامنا ليس راشدا وبالتالي لن يجديه تغيير الأشخاص، بل هو الذي يجب أن يتغير ".
الانطباع نفسه يتقاسمه معه، شافع بوعيش، رئيس المجموعة البرلمانية لـ"جبهة القوى الاشتراكية" (أقدم حزب معارض)، إذ يرى أن هذا التعديل دليل على الفشل لأن حكومة سلال شهدت رقما قياسيا في التعديلات، دون أن تقدم ما ينتظره الجزائريون منها، متسائلا عن جدوى الاستمرار في تغيير الأشخاص.
ويخلص "التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية" إلى أن هذا التعديل له معانٍ كثيرة "أهمها اعتماد سياسة ترقيع المؤسسات وربح الوقت بتدوير المناصب بين الأشخاص أنفسهم لتحويل أنظار الجزائريين وإلهائهم عن الإفلاس، الذي وصل إليه من يتحمل إدارة شؤون البلاد". وتقترح المعارضة بدلا عن ذلك تأليف حكومة سياسية موسعة تشرف على تنظيم انتخابات نزيهة وتعطي رؤية يشترك فيها الجميع لمواجهة الأزمة الاقتصادية.