دخلت تونس رمضانها السادس بعد الثورة ولا حديث في السياسة أعلى نبرة من الحديث عن تغيير الحكومة ورئيسها. حكومة سادسة في السنة السادسة للثورة، إنجاز ليس بالقليل، لم تسبقنا إليه إلا بعض الدول الموغلة في الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان.

تونس التي ظلّت طيلة ستين عاما تلوك عبارة "إنجازات" تحتفل بهذا الإنجاز الكبير: ستّ حكومات في ستّ سنوات! رحم الله الشاعر، محمد الصغير أولاد أحمد، وقد صرخ مرّة إنّ معدّل عمر التونسيين رئيس ونصف رئيس. وها نحن مع رئيس جمهورية ثالث ورئيس حكومة سادس في سادس سنوات الثورة. ألا تحمدون الله على هذا الإنجاز؟
تونس المولعة بأرقامها القياسية، التي دخلت التاريخ من باب الطبخ في موسوعة "غينيس" (بأكبر طبق كسكس، وأكبر عصيدة، وأكبر طبق بسيسة)، ما زالت تحقّق السبق ويمكن لجماعة "غينيس" تسجيل تونس باعتبارها البلد الذي شهد حضور ستة وزراء وإثنين من مستشاري رئيس الدولة وعشرات من مسؤولي الدرجة الثانية في حفل تدشين...مقهى!
تونس المفلسة ــ وفق الحكومة ــ وغير القادرة على التخفيض من ديونها (التي حقّقت رقما قياسيا داخليّا) تكاد تطير إلى تحطيم الرقم القياسيّ إقليميّا في إفلاس الدولة وانهيار هيبتها في انتظار الظفَر بأمجد الألقاب عالميا في هذا المجال... أليس هذا إنجازا في حدّ ذاته؟
بفعل ارتباك مسؤوليها في الحكومات الخمس الأخيرة وعدم قدرتهم على التعامل الذكيّ مع المستجدّات، وطنيا وإقليميا، ليستمرّ الاستقرار وتبقى نوافذ الأمل ممكنة، فقدت تونس الجزء الأكبر من مداخيلها ممثّلة في إنتاج الفسفاط والسياحة. وبفضل ثقافة الفردانية المتطرّفة صار وجود موظف في مكانه وهو يعمل من الطرائف والعجائب، وصارت المطالبة بالحقوق مع أداء الواجبات استثناء أو يكاد. ومثل كرة الجليد تضخّمت كتلة الأجور من دون أن تسهم في الرفع من مستوى الإنتاج، وتضخّمت معها الديون الخارجية وارتفعت تكاليف الحياة، وغرقت الإدارة في الكسل، وغرقت في الأوساخ الشوارع والأزقّة ووسائل الإعلام والعقليات.
من النكات التي راجت عند تنظيم تونس بطولة كأس افريقيا لكرة القدم في عام 1994، التي لم يتجاوز فيها المنتخب الوطني التونسي الدور الأوّل، سؤال عن التنظيم: صحيح أننا لم نظفر بالبطولة، وكانت مشاركتنا ضعيفة جداً، لكن ما رأيكم في التنظيم؟ الأكيد أنّ أحزابنا المؤلّفة للحكومة في إطار التوافق مزهوّة بالتنظيم، تنظيم إفلاس الدولة وتحطيم ثقة الناس بالسياسيين، كلّ السياسيين من أقصى اليسار إلى "داعش" وأخواتها، وبقدرتها على تحطيم الأمل وإنعاش ثقافة مغادرة البلد ولو على زورق منتحر بين أمواج البحر المتوسّط الهازئ منّا. ألم يقل رئيس الحزب الأكبر، خلال حملته الانتخابية، إنّ حزبه بما يضمّ من كوادر قادر على توفير أربع حكومات؟ ثمّ ظهر أنّه غير قادر أوّلا على تأليف حكومة وحده، وثانياً أنّه غير قادر على تسيير الوزارات التي كانت من نصيبه، ثمّ ظهر بالكاشف أنّ الحزب ليس حزبا وأنّ التنازع على الصفات والمناصب حوّله إلى شقوق كي لا أقول "عصابات"... ثمّ ها هي قياداته الباقية تحتشد لتهدي البلاد "مقهى"!
بعد ساعات قليلة من تدشين المقهى الذي يملكه قياديٌ في الحزب الأوّل، يقوم محافظ قفصة (ومناجم هذه المحافظة هي المنتجة للفسفاط وحجم الخسائر الناتج عن توقف تصديره هو رسميّا 5 آلاف ملايين دينار خلال 5 سنوات أي 5 أضعاف دين تونس لدى دولة قطر مثلا، وهو أيضا قيمة القرض الضخم الموعود من صندوق النقد الدولي) بزيارة إلى إحدى الإدارات ليجد أحد الموظفين نائما في مكتبه، ويوبّخه طبعا، ويعطي تعليماته بتأديب كل من يتقاعس عن العمل. ولتشتعل المواقع الاجتماعية والمنابر الالكترونية بالتعاليق الساخرة، إذ يوجد بين مستشاري رئيس الدولة من لم ير الناس خلقته منذ قرابة العامين فيما ينال أجرا شهريا يعادل أو يفوق ما يناله موظف مجتهد طيلة عام كامل.
بعدما ضحكنا منه مطوّلا عندما صرّح بأنّ تراب تونس "سخن" وأنّها في حماية "الأولياء الصالحين"، فإنّنا نعود إلى هذه الجملة الغيبيّة لنؤكّد أنّ القائد السابق لأركان الجيش لم يكن مجانبا للصواب في تصريحه ذاك، فبقاؤنا في ذاته معجزة.