لا تزال مفاعيل عملية تل أبيب تتوالى في الساحة الإسرائيلية، على المستوى السياسي والإعلامي والأمني، فقد أعادت العملية القلق إلى الجمهور الإسرائيلي على أمنه الشخصي، بعدما ظن أن الانتفاضة باتت وراءه. لكن وقع العملية وخسائرها ومكانها وتوقيتها، بدّدت كل هذه الأوهام.

على خط مواز، يبدو أن رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، تلمّس مفاعيل وأهمية أن يكون أفيغدور ليبرمان في موقع وزير الأمن. وعلى الأقل، بات يضمن أن الأخير لن يزعجه في استغلال أي حدث أمني أو سياسي لتوجيه الانتقادات إلى السياسة الأمنية التي تتبعها حكومته، واتهامها بالضعف والتهاون، خصوصاً أن ليبرمان بات الآن في موقع المسؤول عن صناعة القرار الأمني وشريكاً في نتائج أي سياسة أمنية يجري تبنيها.
مع ذلك، قد يكون نتنياهو استفاد من توقيت العملية لحرف الأنظار عن اتهامه بتلقي تمويل غير قانوني لمصلحة حملته الانتخابية من الملياردير اليهودي الفرنسي أرنو ميمران، الأمر الذي كان يحتل صدارة الاهتمام العام قبل تنفيذ العملية.
ولا يقتصر توظيف العملية في اللعبة السياسية الداخلية على مجال دون آخر؛ فكما عبّر معلق الشؤون الحزبية في صحيفة «هآرتس»، يوسي فيرتر، أنه «عندما يعود الأمن إلى مقدمة المسرح، يعود نتنياهو إلى نفسه. هذا تناقض معروف: عندما يقمع الإرهاب، يتفاخر باجتثاثه، وعندما يكون هناك إرهاب يطرح نفسه كأنه الوحيد القادر على معالجته... والجمهور يقتنع بذلك».

العملية أشعرت نتنياهو بقيمة وجود ليبرمان في التشكيلة الحكومية

في السياق، حاول أنصار كل طرح سياسي في الساحة الإسرائيلية توظيف العملية إلى جانبهم. فمن جهة، رأى كثيرون من اليمين الإسرائيلي أن العملية أتت امتداداً للعمليات التي واكبت إسرائيل منذ لحظات الاستيطان الأولى واستمرت مع وجود الدولة، وستتواصل مع تسوية أو من دونها، وأن المنفذين لديهم دوافع مختلفة لتنفيذ العمليات ضد إسرائيل.
في المقابل، رأت رئيسة حركة «ميرتس»، زهافا غلاؤون، أنه «لا يمكن الادعاء أنه يمكن إدارة الصراع والسيطرة بحذر على مستوى اللهيب من دون أن تدفع المزيد من العائلات الإسرائيلية الثمن الدموي الرهيب. وإذا ما واصلنا السير على نفس الطريق، فسنصل إلى المكان ذاته».
وفي ما يتعلق بالخطوات العقابية الإسرائيلية، وخيارات ليبرمان، لم يخرج جوهر القرارات التي اتخذها المجلس الوزاري المصغر عن دائرة التوقع المسبق، لجهة التطويق أو لتعزيز القوات الميدانية أو إلغاء تصاريح العمل وصولاً إلى إعلان تجميد التسهيلات.
ويبدو أن ليبرمان يحرص في المرحلة الأولى من توليه حقيبة الأمن على أن يكون أكثر إصغاءً لتوصيات الجهات المهنية، خاصة الاستخبارية والعسكرية. لذلك، حرصت القيادة الإسرائيلية، ومن ضمنها ليبرمان، على ألا تلحق القرارات التي اتخذت «الضرر بنسيج حياة الفلسطينيين» بالمستوى الذي قد يفجّر غضباً شعبياً واسعاً ويوسع دائرة الانتفاضة.
مع ذلك، أدرك وزير الأمن ومن معه من القيادات ضرورة الارتقاء نسبياً في مستوى الإجراءات العقابية، فتمّ تبنّي خطوة وحيدة مختلفة عن السابق تتمثل في «عقاب جماعي مركّز»، عبر معاقبة أبناء عائلة كل من المنفذين، بالمعنى الواسع. وعلى هذه الخلفية، صودر أكثر من 200 تصريح منهم، على أمل أن تشكل ضربة اقتصادية أكثر إيلاماً من هدم المنازل، بهدف ردع البيئة التي ينتمي إليها المنفذون.
من جهة أخرى، رفعت عملية تل أبيب منسوب القلق لدى الأجهزة المختصة في إسرائيل، لجهة أنها تؤشر إلى نمط جديد في العمليات؛ فرغم أن المنفذين لا ينتمون إلى فصائل تنظيمية محددة، وتندرج عمليتهم ضمن «عمليات الأفراد»، فإن ما جرى يكشف كما يقول معلق الشؤون العسكرية لصحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، عن «إحدى المزايا الواضحة لهذا الهجوم، وتكمن في البحث المتواصل في الجانب الفلسطيني عن الوسائل التي من شأنها زيادة حجم الضرر» في الجانب الإسرائيلي.
ولفت هرئيل إلى أن «من المناسب هذه المرة الحذر من التصنيف شبه الأوتوماتيكي لعمليات الأفراد»، مضيفاً أن «عملية كهذه تحتّم الحصول على أسلحة، والتفكير والتخطيط، وحتى إن لم تكن هذه خطوة أملتها قيادة عليا، توجد هنا على الأقل بوادر تنظيمات محلية طَموحة أكثر، ظهرت مؤخراً في عدة عمليات إطلاق نار أخرى».