"الجزرة" التي يضعها الاحتلال أمام الفلسطينيين كل عام مع اقتراب حلول شهر رمضان، لا يتأخر كثيرا عن إتباعها بعصا تضرب كل أمل لهم في الصلاة في المسجد الأقصى، أو زيارة أقربائهم في الأراضي المحتلة. فقبل أيام، قرر الاحتلال تجميد 83 ألف تصريح كان قد أصدرها من باب "التسهيلات" لفلسطينيي الضفة المحتلة وقطاع غزة، وذلك بعد عملية تل أبيب الأخيرة التي نفذها ابنا العم محمد وخالد مخامرة وقتل فيها أربعة إسرائيليين.

ولا يخفى على الفلسطينيين أن رد فعل سلطات الاحتلال السريعة بإيقاف التصاريح جاء لتهدئة حالة الغضب التي سادت بين الإسرائيليين، وكذلك لمحاولة جعل المجتمع الفلسطيني ينقلب على ذاته معارضا أي عمل مقاوم قد يحرمه فرصة زيارة بلاده المحتلة والصلاة في الأقصى خلال رمضان، علما بأن السلطة الفلسطينية نفسها التي تنسق مع الإسرائيليين بشأن هذه التسهيلات كانت قد اعترضت على بعض بنودها.
اللافت أن رد الفعل الإسرائيلي أو الفلسطيني، على حد سواء، لم يأت كما يهوى من في تل أبيب، فلا الجمهور الإسرائيلي المتطرف بعمومه مقتنع بقساوة هذه الخطوة، ولا الفلسطينيون شعروا أنهم خسروا استحقاقا كبيرا، برغم وجود فئات من الجمهور الفلسطيني أحست بأن توقيت العملية أضر بقضايا كان يمكنهم الاستفادة منهم. وهؤلاء فضلا على أنهم يرون "عبثية" هذه العمليات، فإنهم لم يخفوا شعورهم بالتحسر على خسارة "مكافأة" الاحتلال لهم بدخول أراضيهم المحتلة.

استثناء أهالي يطا من فرصة عودة التصاريح يفضح الهدف منها

ولا يمكن إنكار أن الترحيب بالعملية جاء على مقدار نجاحها وتوقيتها وظروفها، فضلا على أن الردود الإسرائيلية عززت هذا الترحيب، الذي تجلى بتوزيع الحلوى ابتهاجا بالعملية. كما يرى أصحاب التجربة أن إلغاء التصاريح أمر اعتيادي في ظل حالة الانتفاضة الجارية.
أحد الشبان الذين يعيشون في جنين فضل عدم ذكر اسمه قال إن للفلسطينيين بدائل كثيرة، بل "ندخل القدس ونصلي في الأقصى خاوية ولا ننتظر تصريح الاحتلال... القفز عن الجدار هو لعبتنا وقد اعتدناها في السنوات التي مضت، وإلغاء التصاريح لا يهمنا".
ومن الأساس، يرى قطاع كبير من الفلسطينيين أن التصاريح التي أعلن الاحتلال إصدارها ما هي إلا "تصاريح وهمية" يريد بها شراء الهدوء وتبييض يديه الملطخة بدماء الفلسطينيين الذين قتلوا بدم بارد خلال الهبة الشعبية الأخيرة.
يقول المختص في شؤون القدس جمال عمرو، إن "هذه التصاريح رشوة رخيصة للفلسطينيين وللعالم، ويريد بها الاحتلال إصلاح علاقاته الدولية وامتصاص الغضب الفلسطيني".
من ناحية أخرى، يتيح العدو بهذه التصاريح لمعسكر السلام الفلسطيني المتمثل بالسلطة أولا، الحديث عن إيجابيات المفاوضات وعملية التسوية. لكن عمرو يرجع إلى أصل القصة، قائلا: "وجود الاحتلال في القدس وفلسطين عموما، هو وجود غير شرعي وغير قانوني، لهذا ليس عليه أي منّة أو جميل عند السماح للفلسطينيين بدخول القدس، بل على الفلسطينيين أن يسألوا أنفسهم كيف يسمحون له بالبقاء في مدينتهم كل هذه المدة".
وأضاف: "الفلسطينيون خسروا في أكذوبة التصاريح والتسهيلات ثلاث مرات: أولا بقتل أبنائهم بدم بارد، وثانيا عندما صدقوا أن هناك تسهيلات، وثالثا عندما تأسف بعضهم على إلغاء التصاريح... التسهيلات جزء من الإجراءات التي هدفها إذلال الفلسطيني والتكسب منه اقتصاديا".
ولا ينكر المتخصصون في الاقتصاد جدوى العائد الاقتصادي الذي تدره عليه الزيارات الفلسطينية بملايين الشواكل، لأن المتعطش للصلاة في الأقصى وزيارة البحر يجهد في تدبير الأموال وصرفها هناك.
حتى النظر في ما يصر الاحتلال على تسميتها التسهيلات لا يستقيم مع الواقع، فقبل أن يدخل الفلسطيني إلى الأراضي المحتلة يمر بعشرات الحواجز التي يعمل الاحتلال على إذلاله فيها رغم أنه يحمل تصريحا للعبور، ثم يخرج من تلك الحواجز ليجد نفسه في مدينة حولت إلى ثكنة عسكرية، غطى الجنود المنتشرون في كل زاوية منها معالمها وكسروا روحانيتها.
لكن الأخطر أن العدو يصر على اللعب بأعصاب الفلسطينيين، وخاصة أصحاب التصاريح منهم، فهو لا يقطع أملهم بإعادة تفعيل تصاريحهم في أي لحظة إذا ما التزموا الهدوء، ملمحا إلى ما بعد انتهاء "عيد نزول التوراة العبري" الذي انتهى مساء الأحد الماضي، ولكن قادة العدو ركزوا على أن سكان بلدة يطا لن يتمتعوا بامتيازات التصاريح إطلاقا، كونهم من بلد منفذي عملية تل أبيب، وذلك في عقاب جماعي يظهر الوجه الحقيقي لإسرائيل.
وعندما رأت منظمة "حقوق الإنسان" الدولية أن تجميد تصاريح الفلسطينيين نوع من العقاب الجماعي، سارعت سلطات الاحتلال إلى استهجان الأمر، لأن قتل إسرائيلي جريمة، فيما قتل شعب فلسطيني كامل ليس بهذا الاعتبار.