أشخاص يتفرجون على القمر بدهشة طفل صغير بصندوق «الفرجة». بعضهم يراقب ظله المتمدد فوق صورة القمر المنعكسة على الأرض، فيما البعض الآخر ينظر من سقف المكان (السياج) إلى القمر. هذا ليس مشهداً درامياً في فيلم سينمائي، ولا جزءاً من وثائقي أعدّه مخرج محترف يصور فيه لحظة اكتشاف علماء فلك لكوكب القمر، بل هي لوحة رسمها الأسير الفلسطيني وليد دقة (باقة الغربية، الأراضي المحتلة عام 1948) صوّر فيها مشهد الأسرى داخل أحد السجون الإسرائيلية، عندما استطاعوا بعد انقطاع طويل جداً رؤية القمر!

قد لا يهمنا نحن ــ القابعين في هذا السجن الكبير ــ أن نراقب القمر والنجوم، أو مغيب الشمس، أو شم عطر وردة، أو المشي حفاة فوق تراب الأرض، وقد لا يعنينا مطلقاً أن نسبح في بحر طويل جاور الأفق بخطٍ وهمي. ربما لأنه بمقدورنا فعل ذلك لحظة نشاء، وقد لا نفكر في ذلك كثيراً لأنه فعل عادي لأي كان، لكن هم ــ الأسرى ــ ليسوا مثلنا.
هل بإمكان أحدهم أن يتخيل ماذا يمكن أن يحدث لو أضيف إلى هذه الأشياء البسيطة، منع الأسرى من حقهم في الاستمتاع بـ90 دقيقة من زيارة ذويهم إليهم، وهي أساساً مقسمة إلى زيارتين كل واحدة 45 دقيقة فقط؟ ففي مطلع الشهر الحالي أعلنت «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» تقليص عدد زيارات عائلات الأسرى من الرجال في السجون الإسرائيلية من اثنتين إلى زيارة واحدة شهرياً. ويبدأ تطبيق القرار في الأول من تموز المقبل، وتستثنى منه الأسيرات والقاصرون وأسرى غزة.
ورغم أن هذا القرار أثار غضب الأهالي الذين تظاهر المئات منهم أمام مقر اللجنة في القدس المحتلة، وأيضاً في رام الله وطولكرم والخليل، في الضفة المحتلة، ورغم الرسائل التي وجّهها أطراف فلسطينيون عديدون، خاصة «هيئة شؤون الأسرى والمحررين»، إلى اللجنة الدولية، فإن الأخيرة لا تزال متمسكة بقرارها.
المتحدث الإعلامي باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في لبنان، طارق وهيبي، قال في حديث مع «الأخبار» إن «تقليص عدد الزيارات سببه ارتفاع تكلفتها»، التي بلغت العام الماضي أكثر من ستة ملايين دولار، منها مليونان ونصف مليون تصرف على الحافلات، وهي تكلفة ألغيت الآن نتيجة إلغاء الزيارات.

القرار لم يشمل أسرى غزة والقاصرين والنساء

ويضيف وهيبي أن الدول المانحة للبعثة الدولية قدمت اعتراضاً من أجل تقليص عدد الزيارات، لأن «اللجنة تقدم تقارير مالية إلى المقر الأساسي في جنيف توضح فيها أين صرفت هذه الأموال وكيف»، متابعاً: «بعض الأهالي يتخلفون عن الزيارة الثانية... هناك كمّ هائل من الموظفين الذين يتولون مهمة ترتيب الزيارات والحصول على تصاريح للأهالي، وفي النهاية لا يحضرون إلى الزيارة».
تعليقاً على ما سبق، قال رئيس «نادي الأسير الفلسطيني» في طولكرم، إبراهم حراشمة، لـ«الأخبار»، إن «تذرع اللجنة الدولية بحجة عدم حضور الأهالي في الزيارة الثانية، لإلغائها، ليس مبرراً إطلاقاً... المشكلة المالية ليست مشكلة الأهالي»، موضحاً أن «عدداً من الأهالي لا يتمكنون من الحصول على تصريح للزيارة بسبب المنع الأمني الذي فرضه الاحتلال، إضافة إلى أن هناك ظروفاً عائلية وإنسانية لأهال قد تمنعهم من الزيارة».
وإبراهيم، وهو شقيق الأسير يحيى حمارشة المحكوم بالسجن الفعلي 24 عاماً، يشرح أن الزيارة مهمة جداً بالنسبة إلى أي أسير، كونها حلقة الوصل الوحيدة تقريباً بينه وبين العالم الخارجي. ويضيف أن أصعب الظروف التي مرّت على أخيه داخل السجن هي عندما عرف بوفاة ابنته الوحيدة (13 سنة) نتيجية حادث طرق عبر متابعته وسائل الإعلام، كون ذويه لم يتمكنوا من زيارته وإخباره.
لا تختلف حال ضياء الحروب (أسير محرر، الخليل) عن يحيى أو بقية الأسرى، فهو يرى أن «الزيارة هي المنفذ الوحيد المؤقت إلى الحرية والإنسانية، فالمحتل في سجنه لكَ يكون هدفه الأول والأخير هو إفراغك من محتواك الانساني، لذلك يستهدف الإنسان فيك». ويقول إن الأسرى بمجرد انتهاء الزيارة الأولى، يترقبون الثانية بصبر نافد، مع أنهم خلال هذه الـ45 دقيقة لا يكون بمقدورهم لمس أيادي ذويهم.
«لم نكن نستطيع لمس لو جزء بسيط من أيادي أمهاتنا، لكننا كنا نواسي أنفسنا بوضع الأيدي متقابلة على الزجاج الفاصل بيننا»، يشرح ضياء، «كنا نعدّ أنفسنا للزيارة كأننا في ليلة زفافنا، يبدأ الأسرى بالحلاقة وإعداد الزي البني وكيّه قبل يومين من الموعد... وفي يوم الزيارة نستيقظ باكراً، وبالتحديد بعد الإحصاء الصباحي مباشرة، نستحم، ثم نرتدي ملابس السجن، ونضع العطر الذي يدخل من خلال الكنتينة (مرفق البيع) رغم أن لا أحد سيشم عطرنا إلا نحن».
وعن الحديث الذي يمكن أن يدور في 45 دقيقة، يقول ضياء: «قد ما كنّا قادرين نحكي بنحكي... عن أيا شي، لما كانوا أهلي يحكولي فلان بسلم عليك كنت انبسط كتير، لأن كل التفاصيل اللي بالعالم الخارجي بتعني الأسير». ويضيف: «في أحيانٍ كثيرة إذا كنت أريد الاطمئنان عن مريض، أو رغبت في كتاب ما، أو خطر ببالي شيء ما أرغب في قوله لأمي... كنت أكتب هذه التفاصيل على راحتي حتى لا أنساها وأقولها في وقت الزيارة».
ومع أن قرار «الصليب الأحمر» يستثني أسرى غزة، فإن والدة الأسير حسن سلامة (محكوم 40 مؤبداً) تشرح أن هذا القرار حتى لو شمل غزة، لن يتأثروا به، لأنهم لا يكادون يحصلون على موافقة لزيارة واحدة. وتضيف سلامة: «زيارة حسن كانت تروي عطشي وتبلّ ريقي منه، رغم أن الإسرائيليين كانوا ينكّلون بي ويفتشونني أثناء الزيارة... الـ45 دقيقة إلي بجلسهن معه كنت أشعر فيهن إنو الزمن رجع فيا ورجعت شابة». والآن أم حسن صارت مقعدة، ومنذ خمس سنوات لم تزر نجلها.
أمّا عبد الرحمن الرفاعي، وهو والد الأسير إلياس، فرأى أن الزيارة «سيف ذو حدين... بنكون مشتاقين لإبننا وبننتظر اللحظة إللي بنوصلو فيها حتى نطمئن عليه، لكن الشعور الآخر هو حزننا وألمنا على حالته الصحية، لأنه مريض بالسرطان، وحالته تسوء من يوم لآخر». تضيف عليه والدة إياس بالقول إن «الزيارة هي الهواء الذي أتنفسه، ورغم اني برجع وكل أمراض الدنيا فيا من التعب، إلا أني من يوم ما إياس سجن قبل عشر سنوات وأنا ما بقطع زيارة واحدة عنه... تقليص الزيارات الآن هو في إطار المضايقات الإسرائيلية ولا تبرير آخر لذلك».