قبل أكثر من أسبوع، كتبت عشرات المقالات الرافضة لخطوة الكاتب اللبناني الفرنسي أمين معلوف، المتمثلة بظهوره عبر قناة "I24" الإسرائيلية.

معظم المقالات دانت معلوف، وأنا مثل الجميع أدين تلك الخطوة وأرفضها بشكل قاطع، ولكن ألسنا بحاجة الى الوقوف أمام خطيئة معلوف للنظر بمضمونها من باب انتماء معلوف الحقيقي وفق وجهة نظره هو، لا وجهة نظرنا نحن، وما نتمناه أن يكون مرتبطاً بلبنان وبقضايانا العادلة، وليس أولها ولن يكون آخرها فلسطين.
الجانب الأول مرتبط بانتماء معلوف، والجانب الآخر، أرى أنه مرتبط بآمالنا أن يكون الآخرون مثلنا يرون إسرائيل عدواً لا جدال حوله ولا على مظلومية الشعب الفلسطيني.
وأقول مثلنا، لأنني أعتقد أنه لن يقرأ هذه المادة إلا من يرى بأفكارها شيئاً يتناسب ورؤيته للصراع، وهنا إشكال جبهتنا المناهضة للاحتلال، حتى اليوم لم تخلق إمكانية حقيقية للولوج إلى الآخرين الذين يجدون في إسرائيل حالة يمكن النفاذ إليها على سبيل الحوار للتوصل إلى صيغة حوار معينة تفيد بتسوية ما، هؤلاء طرف، وثمة طرف آخر يرى إسرائيل قائمة ولن تزول وبالتالي لا مناص من التسليم لها والقبول بوجودها وبقاء الحال على ما هو عليه.
في كل العالم العربي تقام عشرات المؤتمرات سنوياً تحت عنوان "مقاطعة الاحتلال"، وما يليها من عناوين فرعية، من مقاطعة اقتصادية أو ثقافية وما إلى ذلك، وربما هي مشكلتي أني لم أسمع عن خطوات عملية من شأنها إسماع الصوت لأولئك الذين لا يرون في التطبيع مشكلة، أو الذين هم بالفعل ليسوا مكترثين بكل هموم السياسة وتفرعاتها، وهو حال الآلاف أو مئات الألوف من الشعب العربي المشغول بلقمة عيشه وأشجان أخرى متعلقة أيضاً برزقه.
كل المؤتمرات التي عقدت وحضرت بعضها غير مرة، مزمارها لا يُسمع سوى المؤتمرين الحاضرين، والذين هم بطبيعة حال ليسوا مجرد مقاطعين، هم رافضون لكل هذا الاحتلال من أصله، وغير راضين عن الدبلوماسية السياسية الفلسطينية والعربية، فهل هؤلاء فعلاً يحتاجون إلى إعادة تذكير بأنه علينا مقاطعة إسرائيل.
ربما بات الأمر ملحاً، إيجاد آليات دعائية يمكن من خلال الولوج إلى كل بيت عربي، الدخول إلى عقول الإنسان العربي، لتنبيهه أن إسرائيل باتت تدخل من كل الأبواب المتاحة إلى مجتمعاتنا، عبر شاشات التلفزة أحياناً، وعبر بعض المناهج الأكاديمية، والسلع الاقتصادية، والأخطر عبر الثقافة؛ هذا التنبيه والدخول إلى بيوت الناس بأفكار المقاطعة، من شأنه أن يجعل الشخص يعيد النظر ألف مرة قبل الاستفادة من تمر موجود في سوق عربية، غير مكتوب المصدر عليه.
ما فعله أمين معلوف علناً، وما يفعله غيره في الخفاء من تواصل واتصال بإسرائيل، ليست معالجته بالتأكيد عبر الفضيحة، لأنه لو كان حقاً يكترث بالأمر لما خرج مثلاً على شاشة تلفزيون إسرائيلي، مرتبط بأقصى اليمين الإسرائيلي المنظر لإبادة الفلسطينيين، والمنفذ لتنظيراته..
المعالجة تكون بإعادة الاعتبار للتعاريف الثابتة المطلقة في الشارع العربي، من إسرائيل، وما هو الحق الفلسطيني والعربي بالمقاومة والانتصار وإزالة آثار نحو سبعين عاماً من الهزيمة والانكسار.