تتخطى تداعيات العملية الانتحارية في الأردن المقاربات المطروحة عن أنه جزء، أو حتى بداية، لارتداد «الإرهاب» على المملكة التي دعمت لسنوات فصائل كبيرة تمثّله؛ الارتداد لم يبدأ أول من أمس، بل بمجموعة من العمليات التي نفذت في الداخل، وهي في حسابات الدول لا تقل خطراً عن التحديات على الحدود.

في الداخل، ترتبط الحلول بالمعالجة الأمنية الاستخبارية المستندة إلى حسابات مجتمعية، فيما على الحدود تتداخل المعالجة (المراقبة) الميدانية والمعلوماتية المسنودة بالتعاون مع جهات أخرى. ولا يخفى أنه منذ خمس سنوات، هي عمر الحرب على سوريا، كان يجري التعامل يومياً مع محاولات اختراق (محاولات العودة) لمسلحين على الحدود الأردنية ــ السورية، وبين مدة وأخرى، كان يُعلن الجيش الأردني تصديه لمجموعة مركبات أو أشخاص واستهدافهم.
من اللحظة الأولى للحدث، وجب الانتباه إلى أن له ارتباطاً واضحاً بقضية اللاجئين، خاصة الإعلان السريع والمباشر للحدود الشمالية للمملكة «منطقة عسكرية مغلقة». هذا الإعلان إذا كان مرتبطاً بالعملية نفسها وبصورة مؤقتة إلى أن يزول «الخطر»، فإنه حالة طبيعية، ولكنه لن يكون حدثاً عادياً في سياقه الأمني والعسكري إذا وضع في إطار خمس سنوات من اشتعال الحرب في بلد جار ولصيق، بل لم تعلن عمّان إغلاق الحدود بهذه الطريقة في مراحل أكثر حراجة، مع سوريا أو حتى العراق.
كذلك، فإن اختيار المنفذين، كما تفيد البيانات الرسمية وبعض الشهادات، ثغرة يستخدمها اللاجئون للدخول، وطريقة الاستهداف، وما تلى ذلك من تصريحات حكومية عن «وقف إنشاء مخيمات جديدة للاجئين السوريين على أراضيها» والحديث عن أرقام اللاجئين ومناطق قدومهم وانتماءاتهم، كلها عوامل تشير إلى سرعة الاستفادة الأردنية من الحدث، خاصة بعد «صرخات» حكومية واضحة لدول العالم المعنية بشؤون اللاجئين عن التداعيات الاقتصادية لاستضافة مئات الآلاف من السوريين، وبوادر الحكومة الجديدة (برئاسة هاني الملقي) التي افتتحت عهدها بصورة فجّة مع مواطنيها عبر قرارات رفع أسعار لافتة وصادمة.
أتت هذه العملية بعد أيام قليلة على خروج مطالبات ببناء بيوت إسمنتية في مخيم الزعتري (شمال) بدلاً من بيوت الحديد والخيام التي تتحول إلى جحيم في الصيف وبرّادات في الشتاء، على اعتبار أن ما بقي من عمر الأزمة السورية لن يقل عمّا مضى. لكنها في السياق الإقليمي، جاءت بعد أيام أيضاً من استهداف تركي للاجئين سوريين أودى بحياة عدد منهم، وهو سلوك إجرامي يحرج أي طرف يدّعي أنه «يساند الشعب السوري ضد نظامه». كذلك فإن المطالبات الأردنية واللبنانية بدعم دولي كبير في موضوع اللاجئين، لم تجد صدًى دولياً كما حدث بين تركيا وأوروبا، حينما تداولت الأخيرة أرقاماً مالية كبيرة من أجل إقناع الأتراك «المبتزّين» بالصبر وبمنع هجرة اللاجئين إليها.
كل ذلك يمهد لقراءة تقول إن نتائج العملية وتداعياتها على اللاجئين السوريين إنسانياً أكبر مما هي أمنياً وعسكرياً على الأردن، الذي يمتلك قوة استخبارية في المراتب الأولى عربياً، خاصة مع ارتباطه بأقوى أجهزة أمن دولية، كإسرائيل وبريطانيا والولايات المتحدة. ويكاد الأمر يتخطى نظرية تحويل المحنة إلى منحة، خاصة مع سرعة الاستفادة من العملية وإيجاد حل أردني داخلي لمشكلة اللاجئين.
حدث ما حدث في العراق، الذي سقطت فيه محافظات بأكملها بيد تنظيم «داعش» برغم مشاركة عمّان في قصفه، من دون أن تكون الأردن، ذات الحدود الصحراوية المكشوفة، تحت سيف أزمات كبيرة. حتى الهجوم الذي نفذه «داعش» على معبر الطريبيل الحدودي، اقتصر على منفذ حدودي معروف ومكشوف، ولم يتحول المشهد إلى مناوشات حدودية شبه يومية أشبه بعمليات الاستنزاف، أو نتج منها اختراقات إلى الداخل. والأمر كذلك في سوريا، التي تتمركز في حزامه الجنوبي مجموعات كثيرة تابعة لـ«جبهة النصرة» ــ «القاعدة» في غالبيتها تتلقى دعماً عبر الأردن، وصحيح أن حساباتها قد تتغير، ولكن ليس بهذه السرعة. كذلك، فإن قياس عملية واحدة ناجحة بسيطرة أردنية عامة، بل تحريك مسلحين وعتاد بصورة يومية إلى سوريا وإدارة غرف عمليات، في أزمة عمرها خمس سنين، لا يشكل شيئاً يذكر.
وبينما تعود العمليات السلفية الجهادية في محافظات المملكة على أنها التحدي الأكثر خطورة بالنسبة إلى الأجهزة الأمنية الأردنية، فإن العملية الحدودية، في حال كانت تشكل فاتحة لعمليات أخرى أقوى، ستكون تحدياً أكثر صعوبة، خاصة في حال اتخذ أحد قراراً بضرب المملكة، مع أن من الصعب التنبّؤ بمن يكون، في ظل أن الدول التي تدعم التنظيمات المسلحة في سوريا كلها مستفيدة من التعاون مع الأردن، وكذلك أدوات التنفيذ مستفيدة من هذا الممر والدعم... إلا في حال أراد أحد الاحتجاج على تغيير موازين قوى بإرسال رسائل انتحارية صوتها عالٍ، وهو السيناريو المتوقع في حال تمكن الجيش السوري وحلفاؤه من حشر المسلحين براياتهم المتعددة جنوباً، علماً بأن هذه الجبهة هادئة حالياً مقارنة بجبهات أخرى في الوسط والشمال السوريين، وهو ما يثير السؤال فعلاً عن الهدف الحقيقي من الهجوم.