بعد مؤتمر باريس، وقرار وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي دعم المبادرة الفرنسية، انتقلت إسرائيل إلى مرحلة العمل على التخفيف من تقرير «الرباعية الدولية» المتعلق بجمود العملية السياسية، ويتوقع أن يوجه انتقادات إلى سياسة إسرائيل في الضفة المحتلة. وضمن محاولة التأثير في الصياغة النهائية، ذكرت صحيفة «هآرتس» أن إسرائيل حولت وثائق وقدمت شرحاً شفوياً إلى ممثلي «الرباعية الدولية».

ويرى مسؤولون في الخارجية الإسرائيلية وديوان رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، أنه يمكن التأثير في التقرير عبر الاتصالات المباشرة التي يجريها نتنياهو مع القادة ووزراء الخارجية الأوروبيين. ولهذه الغاية، ينوي نتنياهو في الأيام القريبة، لقاء أو محادثة قادة دول «الرباعية» هاتفياً، في محاولة للتأثير في نص التقرير، خصوصاً التوصيات. وكان قد هاتف قبل ذلك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وناقش التقرير معه. كذلك أكد مسؤول إسرائيلي رفيع أن نتنياهو وبوتين ناقشا هذه المسألة في خلال اللقاء بينهما، الأسبوع الماضي.
ومن المتوقع مغادرة نتنياهو الأحد المقبل إلى روما للقاء وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، ووزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغريني، لمناقشة التقرير معهما. وسيلتقي الثلاثاء الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، للغرض نفسه. ويريد نتنياهو بالتحديد، كما ذكرت «هآرتس»، «التوصل إلى تقرير متوازن قدر الإمكان في الانتقادات التي سيوجهها إلى الجانبين، ومدى المسؤولية عن الباب الموصد للعملية السلمية».
مع ذلك، ذكر مسؤولون إسرائيليون رفيعو المستوى، ودبلوماسيون غربيون في أحاديث إلى الصحيفة، أن «مسودة التقرير استكملت وحُوِّلَت للتصديق عليها من وزراء خارجية دول الرباعية»، تمهيداً لنشره في خلال الأيام المقبلة، الأمر الذي يكشف أن نتنياهو يسعى في هذه المرحلة بالذات إلى التأثير في قرار الدول المعنية.

لا تقل الانتقادات
التي ستوجه إلى السلطة عما سيوجه إلى إسرائيل

وكان التقرير قد أُعدّ في خلال لقاء وزراء خارجية الرباعية الدولية، في ميونيخ في شباط الماضي، على خلفية الجمود السياسي بين إسرائيل والفلسطينيين والتدهور الأمني والمبادرة الفرنسية. أما ما أوجد حالة من القلق في تل أبيب، فهو أن البيان تطرق للمرة الأولى، آنذاك، إلى التعاون الممكن بين «الرباعية الدولية» ومجلس الأمن، وهو ما فهمته إسرائيل على أنه قد يكون مقدمة لعملية واسعة في الأخير.
منذ ذلك الوقت، يعمل دبلوماسيون كبار من دول «الرباعية» على إعداد مسودة التقرير، فيما كتب الموفد الأميركي لعملية التسوية، فرانك ليفنشتاين، التقرير بالتعاون مع موفد الاتحاد الأوروبي، فرناندو جنتيليني، وموفد الأمم المتحدة، نيكولاي ملدانوف، والموفد الروسي، ايغور فرشينين. وقال دبلوماسيون غربيون إن المسؤولين الأربعة اجتمعوا نهاية الأسبوع الماضي في جنيف، واستكملوا مسوّدة التقرير وحوَّلوها إلى وزراء الخارجية للتصديق عليها.
ومن المتوقع أن يشمل التقرير قسمين: الأول يشمل وصفاً وتحليلاً للأوضاع في الضفة وغزة، والجمود السياسي والتصعيد والخطوات السلبية من كل جانب. وفي هذا السياق، يُتوقع أن يوجه التقرير انتقادات إلى الفلسطينيين في موضوع «التحريض والعنف» ضد إسرائيل، وكذلك بشأن الانشقاق السياسي بين «فتح» و«حماس» وضعف السلطة في كل ما يتعلق بإعمار غزة. مع ذلك، سيوجه القسم الأكبر من الانتقاد إلى إسرائيل، خاصة في مجال البناء في المستوطنات وسياستها في المناطق (ج) في الضفة. كذلك من المتوقع انتقاد هدم بيوت الفلسطينيين ومحاولة تضييق تحركهم في المناطق (ج). ويتوقع أن يحدد التقرير أن «السياسة الإسرائيلية تهدد القدرة على تحقيق حل الدولتين».
القسم الثاني سيكون أقصر من الأول، وسيتضمن توصيات بالخطوات «البناءة للثقة» التي يقترح على الجانبين فعلها لتحسين الأجواء، والحفاظ على إمكانية تطبيق حل الدولتين والعودة في مرحلة معنية إلى المفاوضات المباشرة. ويتوقع أن تتطرق التوصيات إلى موضوع البناء في المستوطنات والسياسة الإسرائيلية في المناطق (ج) و«التحريض» الفلسطيني.
ووفق دبلوماسي غربي، فإن «التوصيات هي الجزء الأهم من التقرير، وستشكل عملياً توسيعاً لتوصيات سابقة طرحها الرباعي الدولي في أيلول الماضي». وأضاف أن «الرسالة الأساسية للتوصيات قد تشير إلى وجود توجهات سلبية جداً بشأن حل الدولتين، وطرح الخطوات التي يجب فعلها لتغيير التوجه. نعتقد أن الهدف إيجابي ويمكن استغلال التقرير كأداة للتقدم وعمل شيء ناجع من أجل دفع حل الدولتين».
يشار إلى أنّ نشر التقرير أُجِّل مرات عدة في الأسابيع الأخيرة، علماً بأنه كان يفترض نشره عشية لقاء وزراء الخارجية في باريس في الثالث من حزيران. لكن جون كيري قرر تأجيل نشر التقرير من أجل الفصل التام بينه وبين المبادرة الفرنسية. كذلك أجّل نشره لاحقاً بسبب اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، الذي انعقد قبل يومين في بروكسل. وجرى الحديث عن نشر التقرير اليوم (الخميس) تزامناً مع انعقاد الاجتماع الشهري لمجلس الأمن في موضوع الشرق الأوسط. لكن الدبلوماسيين الغربيين والمسؤولين الإسرائيليين يتوقعون تأجيل النشر إلى ما بعد جولة اللقاءات التي سيعقدها نتنياهو مع كيري وموغريني وبان كي مون. ووفق أقوالهم يمكن تأجيل نشر التقرير إلى الأسبوع المقبل أو مطلع تموز.