عامان على جلوس الرئيس عبد الفتاح السيسي على مقعد رئاسة مصر. حتى نكون موضوعيين ومنصفين في تقويم سياساته وإنجازاته وإخفاقاته، لا بد أن نتذكر جميعاً كيف صعدت أحلام الناس بعد ثورتين: 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، وأُقصي رئيسان عن الحكم، أولهما ظل متربعاً على كرسى الرئاسة لأكثر من ثلاثين عاماً، وفي سنواته الأخيرة هدد النظام الجمهوري بالتوريث، حيث شرع في تهيئة نجله لوراثة الحكم. أما الرئيس الثاني، فلم يجلس على كرسيه أكثر من عام واحد، وكان حاكماً باسم حركة الإخوان المسلمين، لكن الشعب المصري، وكذلك الدولة، استشعرا خطراً جسيماً على هوية البلاد، فقاما بعزله. هذا ما كان خلف صعود أحلام الناس في أن تستعيد مصر مكانتها اللائقة بوضعها الجيوسياسي والجيواستراتيجي في الإقليم وفي الأمة العربية، وهي مكانة تؤسس لها دوراً قيادياً إذا قامت بواجباتها ومهماتها تجاه أمتها وكل القضايا المطروحة على الأمة والإقليم. وقد صعدت أحلام الناس خفاقة بعدما شعروا بالمهانة على المستوى الفردي والجماعي، وعلى مستوى المواطن وعلى مستوى الشعب، وبعدما تدهورت قيمة مصر ودورها، وبالذات بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين النظام المصري آنذاك والكيان الصهيوني.

هكذا خرجت مصر من معادلة القوة لأمتها، وجرى عزلها، ما ساعد على تغيير سياساتها خارجياً وداخلياً، وصار العدو صديقاً والصديق عدواً. وهكذا خرجت مصر من دورها الريادي، لذا كان من الطبيعي أن يعود الحلم للجماهير بعد ثورتين، ويأمل الشعب عودة الدور المصري، لذلك من الطبيعي أن يكون أحد محاور حساب الرئيس السيسي في منتصف مدته هو عودة دور مصر في الإقليم والأمة، ولعل ذلك هو ما يجعلنا نحتكم إلى سياسات الرئيس السيسي بشأن قضية تحرير فلسطين، ليس لأنها واقعة تحت احتلال استعماري عنصري واستيطاني فحسب، بل لأن فلسطين هي بوابة أمن مصر من الشمال الشرقي. لذلك عندما نقوّم سياسة السيسي تجاه فلسطين، فنحن نقوّم أيضاً سياسة الرئيس تجاه الأمن القومي المصري.
على صعيد آخر، هو وحدة التراب المصري، من المؤكد أن تيران وصنافير والخروج بليل من قبل سلطة الرئيس وإعلان ملكيتها للمملكة العربية السعودية... هكذا للمرة الأولى يقتطع جزء من التراب المصري ويعطى بلا أي سبب أو وثائق لدولة أخرى. وما زالت المعركة ناشبة، وعلى أساسها سيجري تقويم حكم السيسي.
أما القضايا الرئيسية على الصعيد الداخلي من محاكمات النظام المخلوع ومقاومة الإرهاب والحريات والتنمية، فمنذ الأيام الأولى لثورة 2011 وفي أثناء تولي المجلس العسكري سلطة البلاد، تبين للشعب أن هناك نية لعدم وجود محاكمات جادة للرئيس المخلوع حسني مبارك ورجال نظامه، وقد ثبت هذا الظن وأصبح يقيناً بعدما صدرت مهرجانات البراءة لكل المتهمين. وثبت ذلك في محاكمة مبارك نفسها التي اتهم فيها باستغلال النفوذ في فيلا وبعض المصروفات. هكذا تحولت قضية نهب البلاد وإفسادها وتهميش دور مصر وإهمال ملف حوض النيل إلى مجرد استغلال نفوذ في فيلا.
على صعيد آخر، كانت قضية مقاومة العمليات الإرهابية التي واجهت البلاد، بالذات بعد 30 يونيو 2013 وعزل الرئيس الإخواني محمد مرسي، وقد فوض الشعب إلى الرئيس مقاومة الإرهاب وعملياته، لكننا لم نحقق سوى المنازلة الأمنية لتلك العمليات وصانعيها، وكما فعلنا في سابق الأيام وظهر لنا على أرض الواقع الإرهاب وعملياته.
عدنا وكررنا النهج نفسه. لذا، الشعب يطالب اليوم ليس فقط بالمواجهة الأمنية الواجبة والمبدئية، بل يطالب بالمواجهة الشاملة للإرهاب التي تنفذ على الصعد كلها، وأولها الفكري والسياسي والديني من ناحية دور الأزهر وتحديث خطابه، بالإضافة إلى تقديم مشروع تنمية شامل للبلاد على كل الصعد، تعليمية وصحية وثقافية وحريات وسياسات تنموية، وهو ما لم يحصل حتى الآن بعد عامين من حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، ولا نجد أي مؤشرات لتلك المواجهات الشاملة والجذرية، وهي سبيلنا للتخلص من الفكر الظلامي وبوابة دخولنا للمستقبل.
تلك هي مدخلات لتقويم عامين من حكم السيسي. بالطبع علينا أن نقوم بذلك التقويم في ظل البيئة المحلية المعروفة، وكذلك البيئة العربية والإقليمية والدولية ومتغيراتها، وهكذا نستطيع أن نتفهم ما حصل وننقد بموضوعية ما لم يحصل، حتى لو كان من الأساسيات في البناء.