ظل الحديث في الجزائر عن طموح قائد أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، في خلافة الرئيس الحالي، عبد العزيز بوتفليقة، مجرد تخمينات سياسية وإعلامية فحسب، غير أن دخول وزير الدفاع السابق، خالد نزار، على الخط، وتلميحه المباشر إلى وجود هذه الرغبة لدى قايد صالح، سيعيد طرح المسألة بشكل جاد.

لم يتمالك خالد نزار الرجل القوي في المؤسسة العسكرية سنوات التسعينيات، غضبه الشديد من التعديلات الجديدة الواردة على قانون المستخدمين العسكريين التي تفرض على ضباط الجيش المتقاعدين الامتناع عن الخوض في الشؤون السياسية، وراح يتهم صراحة الفريق أحمد قايد صالح، بالوقوف وراء هذا القانون "خدمة لأهداف سياسوية خاصة". وأجاب نزار في حوار حمل نبرة شديدة اللهجة، مع موقع "ألجيري باتريوتيك" (المملوك لنجله)، عندما سئل عن سبب استماتة قائد أركان الجيش في فرض هذا القانون، قائلا: "نعلم أن العسكريين الهائجين والمصابين بجنون العظمة، يسكن دائما عندهم أكثر من غيرهم شيطان المغامرة". لكن أي مغامرة يقصد نزار؟ قال وزير الدفاع السابق في موضع آخر من حواره : "إن انسحاب وزير الدفاع بداية التسعينيات (يقصد نفسه) كان يسعى لتقديم الدرس للمسؤولين العسكريين من أجل أن يكبحوا أي جماح في الوصول إلى المناصب السياسية الأسمى". وأضاف محذرا: " إننا في المؤسسة العسكرية نشهد شراهة غير مسبوقة للإنفاق على شراء الأسلحة على حساب الاقتصاد الوطني... أليست هذه علامات تحذير أننا أمام طموحات مغالية؟".
ويطلق على رئاسة الجمهورية في الجزائر عادة "المنصب الأسمى"، كما أنه لا يتصور أن يكون لقائد أركان الجيش الذي يشغل في الوقت ذاته نائب وزير الدفاع، طموح سياسي ويكون أقل من تقلد منصب رئيس الجمهورية، ذلك أن قايد صالح يعد أقوى مسؤول في الجزائر حاليا في ظل مرض الرئيس بوتفيلقة.
وحاول نزار حتى استمالة نواب البرلمان الذين يناقشون حاليا هذا القانون إلى صفه ضد قائد أركان الجيش، مشيرا إلى أنه "سيكون من المؤسف أن يقوم نواب الشعب بتزكية هذا النص، لأنهم اذا فعلوا ذلك سيكونون قد خدموا الطموحات الميكيافيلية والأنانية لأصحاب القانون والتي تتعارض تماما مع مصالح الأمة". وواصل هجومه على قائد أركان الجيش بالقول إنه "خالف القانون الذي يريد فرضه قبل اعتماده حتى، من خلال انتهاك التقاليد التي رسخها الجيش الوطني الشعبي بعد دستور 1989 الذي جاء بالتعددية، عندما قررت المؤسسة العسكرية طواعية الخروج من جبهة التحرير الوطني (الحزب الواحد)، من أجل ضمان منافسة سياسية نزيهة، مستغربا كيف أن الفريق أحمد قايد صالح يريد فرض الصمت على الضباط المقاعدين بينما كان هو أول من خرق هذا القانون بإقحام المؤسسة العسكرية في الساحة السياسية في عدة مناسبات".
ويشير كلام نزار إلى الرسالة المثيرة للجدل التي أرسلها قائد أركان الجيش، إلى الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، عمار سعداني، يهنئه فيها بانتخابه على رأس حزب الأغلبية، وهي الرسالة التي انتقدتها المعارضة الجزائرية بشدة واعتبرتها إقحام للمؤسسة العسكرية في شأن سياسي لا يخصها، وخاصة أن سعداني يلقى معارضة شديدة حتى من داخل حزبه.
وأثيرت في الجزائر عقب هذه الرسالة، العديد من التساؤلات، وذهب البعض إلى اعتبار عمار سعداني أحد الرجالات التي يعول عليهم الفريق أحمد قايد صالح (76 سنة) في كسر "تابو" ترشحه للرئاسة. وعادت صحيفة "الوطن" الناطقة بالفرنسية مؤخرا إلى الموضوع، مستندة إلى ما قالت إنها مصادر عسكرية تؤكد وجود علاقة وطيدة بين قائد أركان الجيش والأمين العام لـ"جبهة التحرير الوطني". كما ظهرت أصوات في الجزائر، تدعو الجيش إلى تحمل مسؤوليته في ظل ما يثار عن شغور منصب الرئيس المنهك بالمرض، وهو ما فهم على أنه دعوة للانقلاب.
ومع أن تصريحات خالد نزار تحمل هجوما خطيرا قد تعرضه للمساءلة القانونية بتهمة ضرب معنويات الجيش، مثلما حدث مع اللواء حسين بن حديد قبل ثمانية أشهر، عندما أطلق تصريحات بذات الحدة ضد شقيق الرئيس وقائد أركان الجيش، إلا أن المكانة الكبيرة التي يتمتع بها نزار داخل المؤسسة العسكرية، قد تجعل أمر متابعته محفوفا بمحاذير كبيرة. لكن الأهم أن هذه التصريحات ستفتح من جديد ملف خلافة الرئيس الذي لا يكاد يمر يوم في الجزائر إلا ظهر فيه الجديد.