لم ينجح «فرع المعلومات» في لبنان، ومن خلفه المملكة العربية السعودية، في زعزعة العلاقة بين «حركة المقاومة الإسلامية ــ حماس» والجمهورية الإسلامية في إيران، بعد تسريب الجهاز الأمني إلى صحيفة «الشرق الأوسط» السعودية، منذ أشهر، تسجيلاً صوتياً لمكالمة هاتفية للقيادي في «حماس»، موسى أبو مرزوق، يهاجم فيه إيران، وقال فيه إنها «دولة باطنية» وإن آخر دعم تلقته حركته من طهران كان في عام ٢٠٠٩.

التصريح، لا شك، أثار استياء الإيرانيين، لأن أبو مرزوق بالنسبة إليهم «رجل عسكري» ويعرف أكثر من غيره طبيعة الدعم الإيراني و«التعب الذي يتكبده الإيرانيون وحزب الله في نقل السلاح إلى غزة»، بالإضافة إلى معرفته نوعية المساعدات الإيرانية واللبنانية المقدمة إلى معسكرات التابعة لـ«كتائب الشهيد عز الدين القسام» (الجناح العسكري للحركة) الموجودة خارج غزة. والعتب الإيراني كان «على قدر المحبة»، كما تذكر قيادات في الحركة كانت تشارك في احتفالات انتصار الثورة الإسلامية. حينذاك سمعوا عتاباً من قائد «فيلق القدس»، قاسم سليماني، الذي أبدى اعتراضه على كلام أبو مرزوق.
في ذلك الوقت، نجحت تلك القيادات في ترطيب الأجواء، وكان الطرفان متعاونين لإحباط المخطط السعودي، الهادف إلى منع التقارب. من ثمّ وصل العتب الإيراني إلى مسامع الرجل الثاني في «حماس»، فخطط لمحاولة تهدئة الأمور، وحاول بعد لقائه رئيس «الاتحاد العالمي لعلماء المقاومة»، الشيخ ماهر حمود، الخطوة الأولى، حينما قال إن «ما من دولة عربية أو إسلامية قدمت دعماً حقيقياً للمقاومة الفلسطينية مثلما قدمت الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد أبو مرزوق «على أهمية العلاقة مع إيران الإسلامية واستمرار دعمها للمقاومة في مواجهة الاعتداءات الصهيونية»، لافتاً إلى أن «هذه العلاقة لن تؤثر فيها أخطاء عارضة أو شائعات مغرضة».
هذه الكلمات، لم تخفف حدة التوتر، خصوصاً أن وسائل الإعلام التابعة لـ«حماس» لم تنشر التصريح بالأسلوب المطلوب، ولم تروّج له، وبدا الأمر وكأن الرجل، خجل به. وبالتوازي مع ذلك، استمرت الاتصالات بين «حماس» وطهران للتقريب. وما سرّع في العملية، التقارب الخليجي عموماً، والسعودي تحديداً مع إسرائيل، بالإضافة إلى توجه تركيا إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية مع تل أبيب، وطرد أنقرة لقيادات من الحركة.
التقارب الخليجي ـــ الإسرائيلي تحوّل إلى محل انتقاد داخل «حماس» أخيراً. ونقل عن نائب رئيس المكتب السياسي للحركة، إسماعيل هنية، في خطبة الجمعة في مسجد فلسطين في غزة الأسبوع الماضي، أن «إسرائيل باتت اليوم، كأنها ضمن تحالف سني ـــ عربي، فالكل يتهافت لأجل إقامة علاقات معها، في الماضي كان الحديث يدور حول السلام مقابل التطبيع، لكن الآن بتنا أمام واقع يفرض معادلة التطبيع قبل السلام». وأضاف هنية أن «العرب كانوا سابقاً يربطون التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي بنجاح اتفاقات السلام الموقعة معها، لكننا للأسف نجد الآن أن التطبيع أولوية حتى من دون نجاح أي مبادرات».
وفي وقت لاحق، نفى مكتب هنية أن يكون «أبو العبد» قد قال مثل هذا الكلام، لكن انتقاد رئيس المكتب السياسي، خالد مشعل، التقارب الخليجي ــ الإسرائيلي في كلمة ألقاها لاحقاً في خلال إفطار الأربعاء الماضي في قطر، كان الأوضح. فقد قال مشعل إن «إسرائيل تحاول استعجال التطبيع، على حساب القضية الفلسطينية، وتستغل صراعات المنطقة لتقديم نفسها كلاعب لا يُستغنى عنه، وشريك لبعض الأطراف».
وفي ظل تبدل المشهد الإقليمي، وبعد مراجعة داخلية أجرتها الحركة، بالإضافة إلى إبداء «أهل الثغور» (كتائب القسام) رأيهم في ما يتعلق بمستقبل العلاقة مع طهران، قررت الحركة إعادة التموضع والاستدارة شرقاً، وأن تكون المرحلة المقبلة لتحسين العلاقات بعد محاولة فعل ذلك أكثر من مرة في السنوات الخمس الماضية دون نجاح كليّ.

أبو مرزوق سيتولى إصلاح العلاقة وسيسافر إلى إيران لذلك

تقول مصادر متابعة لطبيعة العلاقة بين الطرفين إن «حماس أدركت أن الأنظمة العربية لا تجرؤ على تهريب السلاح إلى غزة كما تفعل إيران، أو حتى غض النظر عن ذلك... المقاومة تحتاج إلى سلاح لتقاتل العدو، أما الأنظمة العربية فهي لا تقدم سوى المشاريع التي يتأخر تنفيذها».
نتاج ذلك، أعلن أبو مرزوق منذ أيام، عبر فضائية «الأقصى» التابعة للحركة، أن «ما قدمته إيران من دعم للمقاومة الفلسطينية سواء على صعيد الإمداد أو التدريب أو المال لا يوازيه سقف آخر، ولا تستطيعه معظم الدول»، ثم سعت «حماس» إلى الترويج لتصريح أبو مرزوق، وعدم المرور عليه مرور الكرام كما حدث سابقاً، فنشرت الاقتباس المذكور إلى جانب صور لأبو مرزوق، ونشرته تقريباً كل الوسائل الإعلامية التابعة لها والقريبة منها.
بالطبع، لم يعجب التصريح كثيرين في الحركة وخارجها، بل أبدى عدد من الحمساويين اعتراضهم، فيما هاجمه بعض «مثقفي» الدول الخليجية وصحافييها. أما بالنسبة إلى قيادات في الحركة، فإن هذه الخطوة مطلوبة لتحسين العلاقة مع طهران، بغض النظر عما إن كانت طلباً إيرانياً أو مراجعة داخلية. ووفق المصادر المتابعة للقضية، فإن الانتخابات المقبلة لرئاسة المكتب السياسي في «حماس» فرضت إعادة تموضع غالبية قيادات الحركة، وأن أي رئيس جديد للمكتب السياسي سيكون من أولوياته إعادة العلاقة مع إيران إلى ما كانت عليه.
حالياً، لا تزال الاتصالات مستمرة بين الطرفين، وهي اتصالات تتابعها السعودية وتسعى إلى إحباطها، أقله عبر المصريين. تضيف المصادر أن رفض القاهرة خروج وفد قيادي من «حماس» على رأسه إسماعيل هنية من قطاع غزة، هو بإشارة سعودية لمنع توجه الوفد إلى طهران كما كان مخططاً. وتشرح أيضاً أن «السعودية رفضت استقبال خالد مشعل على مدار عام، وهذه رسالة واضحة»، علماً بأنه لدى سؤال صحيفة قطرية مشعل عن علاقة حركته بالسعودية، قال: «سياستنا الانفتاح على كل الدول العربية والإسلامية، البوابة مفتوحة من طرفنا، ولكن من الطرف الآخر، هناك دول بوابتها مفتوحة معنا دائماً مثل قطر وتركيا، وهناك دول تفتح أحياناً وتغلق أحياناً، وهناك بوابات مغلقة، وسنظل نطرق كل الأبواب من أجل شعبنا الفلسطيني».
برغم الضغوط السعودية، التي قد تتحول إلى عربية لاحقاً، كما حدث مع حزب الله، ومحاولة إعلام الخليج الإيقاع بين أبو مرزوق ومشعل، أكد «أبو الوليد» ما قاله الرجل الثاني في الحركة، وقال إن هناك «معركة نخوضها مع الاحتلال في ظل اختلال موازين القوى، ونحن محتاجون إلى الدعم... بصرف النظر عن اتفاقنا مع أي طرف سياسياً أو اختلافنا، نرحب بدعمه ولا نجد غضاضة في ذلك، وقبولنا للدعم منه ليس تأييداً لمواقفه أو أجنداته هنا أو هناك، شرط ألا ندفع فاتورة من قيمنا السياسية».
وسط هذه المقاربات، تؤكد جميع الأطراف أن العلاقة بين إيران و«حماس» تسير في مسار تصاعدي بطيء، لكن دعم المقاومة في غزة والحرص على استمرار الانتفاضة في الضفة المحتلة يمثلان الهمّ الرئيسي للطرفين. تضيف المصادر نفسها أن أبو مرزوق، بات المسؤول عن إعادة العلاقات مع طهران، وقد يتوجه في الأشهر المقبلة إلى هناك للقاء قيادات الجمهورية. هذا التوجه أكده مقربون من الحركة، أضافوا أن التواصل بين «القسام» والحرس الثوري الإيراني لم ينقطع يوماً، حتى في «عزّ الأزمة السورية»، مضيفة: «قطاع غزة يشهد حالياً حملة تسليح غير مسبوقة. أغلب فصائل المقاومة في القطاع صارت تمتلك صواريخ وأسلحة جديدة».