لا تشبه رحلات المسير التي كان يقوم بها رحالة البلاد قبل الحرب، ما هي عليه اليوم. الطبيعة الساحرة التي اشتهر بها ريف الساحل السوري تغيرت ملامحها، بفعل المعارك. وتركت حروق الاشتباكات والقصف ندوبها العميقة على غابات المنطقة وجبالها. وعلى طول الشريط الساحلي والجبال التي تواجهه، تتركز أغنى المحميات الطبيعية التي نالت حصتها من الأذى، باعتبارها «استخدمت» خلال معارك الساحل، كمخابئ للمقاتلين، ما جعلها هدفاً للقصف والحرق.

وتبرز غابات الفرلّق الواقعة أقصى الشمال وفي وجدان السوريين وذكريات رحلاتهم المدرسية، كفاجعة رئيسية، بعد القضاء على الكثير من أشجارها، بحكم الحرب المستعرة. وإذ تشكّل غابات اللاذقية وحدها 36% من مجموع غابات سوريا، قبل الحرب، تحتلّ 27% من أراضي اللاذقية، على مساحة 85 هكتاراً. يروي الناشطون آلامهم بعد تمكّن الجيش من استعادة السيطرة على معظم المحميات الطبيعية في الفرلّق وسولاس وطريق البسيط، وانقشاع المعارك عن مساحات هائلة يغطيها اللون الداكن. فيما يرى المهتمون بالأعشاب والنباتات لأغراض طبية وعطرية، أن رحلة البحث في الطبيعة الساحلية باتت أصعب، في ظل الحرائق والتحطيب المستمر، بعدما كان 200 نوع من النباتات يتوزع على مساحة محمية الفرلّق، 69 منها عطري، و32 منها طبي، بالتزامن مع توافر أنواع نادرة من الأوركيد المهم عالمياً.

لم تكن الحرب
وحدها سبب مأساة
الثروة الحرجية

«وراء الأكمة ما وراءها»، باتت عبارة تعبّر عن تناقض جمال الطبيعة الساحلية، مع ما تخفيه الأحراج من أخطار وعنف قادمين لغزو الساحل السوري. هكذا استشعر سكان المدينة وريفها المجهول الذي تخفيه جبالهم وغاباتهم، ما جعل فقدانهم بعض عناصر طبيعتها أخف وطأة بالتزامن مع الموت المخيّم على كل شيء. في ظل تحوّل معظم محميات اللاذقية الطبيعية خطوط تماس بين الجيش والمسلحين، وفرصاً نادرة للكمائن، تصعّب تحقيق تقدم سريع، ضمن وعورة الجبال الساحلية. ومع تزايد رقعة الأعمال القتالية، سجل عام 2013 إحصائيات رسمية، بلغ وفقها عدد الحرائق الحراجية 76 حريقاً، في مقابل 216 حريقاً زراعياً، بينها 70 حريقاً خرج عن السيطرة. بينما وصل عدد الحرائق عام 2015 إلى 500 حريق، في الغاب وما يتصل به من جبال اللاذقية، وبعضها بفعل فاعل، وفق إحصاءات حكومية. وعلى الرغم من تمتع عناصر الضابطة الحراجية، التابعين لوزارة الزراعة، بصلاحيات عناصر الضابطة العدلية، وامتلاكهم إمكانات حماية وإطفاء الحرائق، غير أن وجودهم لم يشكل رادعاً قوياً، في ظل تنظيمهم 4600 ضبط حراجي، العام الفائت.
وفيما لم تكن الحرب وحدها سبب مأساة الثروة الحرجية في الساحل، فقد تحوّل الأهالي أنفسهم إلى حطّابين شتاءً، بهدف الحصول على القليل من الدفء في شتاءات البلاد القاسية. يأتي ذلك بعد التزايد المستمر لأسعار المحروقات والمستوى المعيشي المتدني للمواطنين السوريين. أما شتاءً، فتنتشر الحرائق المفتعلة بنسبة 99%، ضمن الأحراج والأراضي الزراعية، إذ يستخدم الحرق العشوائي لتنظيف الأراضي من الأعشاب، ليكون البديل الأسرع والأكثر تعبيراً عن الجهل الزراعي في البلاد، في ظل ارتفاع سعر المازوت لفلاحة الأراضي. فيما يلجأ البعض إلى حرق الأحراج، بهدف توسيع أراضيهم على حساب أراضي الدولة. ويلجأ البعض الآخر إلى تفحيم الخشب وبيعه ضمن مناطق حراجية بعيدة، حيث يقومون بإشعال المفحمة وتركها 17 ساعة (الوقت اللازم للخشب للتحول إلى فحم)، ليأتي دور الصدفة في تحرك الرياح وامتداد النار إلى الأحراج المحيطة، وتحدث حرائق كارثية. وبحسب عناصر في إطفاء اللاذقية، فإن المعدل اليومي لعدد الحرائق بين 4-5 حرائق يومياً، في خلال الصيف، فيما يعمل إطفائيو مديرية الزراعة، على أكثر من ضعف هذا العدد، بشكل يومي. وبحسب الإطفائيين، فإن معاناتهم بدأت مع الخطر الذي تهددهم خلال إطفائهم حرائق سببتها الاشتباكات، على محور قسطل معاف والنقطة 45 وحكرو وغمام وخربة سولاس، في الريفين الشمالي والشرقي للمدينة. ويعوق عمل الإطفائيين نقص كبير في أعدادهم، ومتطلبات مادية تستلزم إتمام عملهم، يدفعونها من جيوبهم غالباً، دون أي التفاف إلى تحسين أوضاعهم، رغم تزايد أعبائهم، ليتحولوا شيئاً فشيئاً إلى جنود من نوع آخر، جلّ هدفهم إنقاذ ما بقي من الطبيعة وأشجارها، باعتبارها ضحية عاجزة أمام عنف البشر وتخريبهم.