عندما وصلت إلى نقطة تجمع الركاب الذين سأخرج معهم في تلك "الرحلة"، ركنت السيارة وصعدت إلى الحافلة التي بدا لي أن كل من فيها يعرفون بعضهم وأنا الغريب الوحيد بينهم. فوقتي لم يكن يسمح لي بأن أحصل على إجازة في كل جمعة لأسافر معهم في رحلات التعرف إلى الوطن المسلوب.

في تمام الساعة السابعة والنصف كان الانطلاق، الوجهة كانت «قاهرة نابليون» التي ستصبح قاهرتي أيضاً عند وصولي إليها. لن أتحدث عن الطريق كثيراً فتفاصيلها لا تحمل الأهمية الكبيرة رغم طول المسافة، فلتصل من القدس إلى عكا تحتاج إلى ساعتين أو ربما تحتاج الى اضافة نصف ساعة أخرى، لكنها عموماً مضت بسرعة كبيرة فقد نسيت نفسي وأنا أنظر إلى الشوارع الكبيرة التي شقت في بلادي، وزرعت على يمينها يافطات كتبت عليها أسماء قرى ومدن بالعبرية، فمر الوقت وأنا أهجئ أسماء تلك الأماكن الغريبة عني.
وصلت عكا، وانضم إلينا ذلك المرشد الذي سيخبرنا عن تاريخ المدينة، واعتقدت أنا كما باقي من في الحافلة أن إرشاده سيكون مختلفاً عن إرشاد باقي المرشدين فهو ابن المدينة ويعرف عنها أكثر من أي أحد.
بدأ سامي وهو المرشد بالتعريف عن نفسه، ولكسر الحاجز النفسي بيننا بدأ يلقي على مسامعنا بعض النكات التي لم تستفزني لأضحك، فقد بدت ثقيلة و"بايخة"، لكني بقيت متيقظاً وعلى استعداد لتلقي أي معلومة عن تاريخ عكا، المدينة التي ارتبطت كثيراً بمخيلتي مع مدينتي وحبيبتي القدس، فكثيراً ما سمعت عن التهويد الذي تتعرض له وعن محاولات الاحتلال إخلاء ما يزيد عن ثلاثين منزلاً من سكانها، ما يعني أنها تعاني كالقدس.
حديثه إلينا بدأ يضع بيني وبينه حاجزاً تلو الآخر، فلم أعتد من قبل أن أقابل فلسطينياً معترفاً إلى هذا الحد بأن «إسرائيل دولة»، فعندما قال أن "دولة إسرائيل" تخاف من أن تصبح عكا مدينة عربية إذا ما تفوق سكانها العرب على اليهود بنسبة السكان إذ تبلغ الآن نسبة العرب فيها 40% وهي النسبة الأعلى من بين المدن الفلسطينية المختلطة (التي يسكنها الفلسطينيون واليهود).
بعد اعتقاده أنه كسر الحواجز وحان وقت الانطلاق، سارت الحافلة باتجاه حي يدعى بساتين الرمل، وفي الطريق كان يطلعنا على تاريخ المدينة أو جزء منها، وفي كل مرة يذكر فيها المرشد كلمة إسرائيل أرد أنا وأقول احتلال حتى وصلنا حي بربور "بساتين الرمل". بدا الحي كأنه تجمع بدوي في البداية فبيوته إما مبنية من الصفيح أو من الطوب ومسقوفة بالصفيح، فالاحتلال لا يسمح لسكانه البالغ عددهم 150 عكاوياً بالبناء على أراضيهم.
أخذ سامي يحدثنا عن معاناة الحي وكيف أن بلدية عكا لم تمدد لهم أنابيب للمياه، التي لاحقاً استطاعوا تحويل بعضها إلى صنابيرهم بعد خرقهم لأنابيب المياه التي تغذي المستوطنات وتمر من أرضهم، وأخذ يستعطف قلبنا بمحاولاتهم الوطنية التي قاموا بها لتأهيل الحي الذي وضعوا به "مرجيحة" ليلعب الأطفال بها، لكن لم ينتظر كثيراً ليضع الحاجز الثاني بيني وبينه، فبنهاية الحديث أخذ يطالب بالمساواة بين العرب واليهود في عكا.
هنا سرحت كثيراً وتركت الجميع وأخذت أستطلع البيوت المتناثرة في الحي، التي بدت مشابهة تماماً لبيوت البدو الذين يحملون هوية السلطة الفلسطينية ويعيشون على الأراضي التي تسمى "c" بالقدس، حيث تمنع عنهم حقوقهم رغم أنهم يسكنون في أرضهم، وذلك ليس إلا لأنهم "ضفة" ويسكنون في حدود القدس. فوجه الشبه بين هؤلاء والعكاويين هنا أن الفلسطيني يحرم حقوقه لأنه فلسطيني فقط رغم أن العكاويين يحملون الجنسية الإسرائيلية لكن قوميتهم هي التي تجعلهم منبوذين.
حان وقت انطلاقنا إلى عكا القديمة. سارعت للركوب في الحافة فالوجهة هنا مختلفة عن غيرها فأنا سأقابل معشوقتي التي تكونت علاقتي بها عن طريق الصور والفيديوهات التي ملأت مواقع التواصل. عندما دخلنا المدينة القديمة بدت عربية صرفة، فالوجوه التي قابلتنا مشابهة لوجوهنا وتتكلم العربية بطلاقة أيضاً، وصوت أذان جامع الجزار أكد لي أن البلدة القديمة مغايرة تماماً عن سامي الذي سيطرت عليه أفكار خبيثة تطالب بالمساواة وتقبل بكل ود الخضوع لسيطرة محتله.
في المسجد، تأكدت من أن كل شيء في هذه المدينة على ما يرام، فلا يزال فيها أئمة يطالبون بشد الرحال إلى الأقصى، والتبرع لتأمين حافلات تعمل كنقطة وصل بين المدينة والقدس. فكرت في خضم الخطبة: ألهذا رفض سامي أداء الصلاة معنا في جامع الجزار وفضل البقاء تحت ظل تلك الشجرة الكبيرة؟ هل سامي لا يحب سماع أن إسرائيل هي احتلال وأن دخول المستوطنين إلى الأقصى هو اقتحام وليس زيارة؟ صدقاً لم أبحث عن الإجابة وتابعت إنصاتي للإمام الذي بدا متصوفاً، فالتصوف في عكا شاع كثيراً.
عكا وجهة دينية لكثير من أتباع الطريقة الشاذلية، التي يحج إليها مئات المتصوفين من حول العالم في كل عام. في الزاوية الشاذلية قابلنا أحد أتباع هذه الطريقة، وهو من سكان مدينة الخليل. أخذ يخبرنا عن تاريخ الزاوية، وعن تصوفهم الذي أصر أن يقنعنا أنه أقرب إلى سنة النبي محمد وأنه بعيد عن التطرف الصوفي الذي يرفع الأئمة إلى مرتبة أعلى من الأنبياء. لكن ما إن حرفت نظري باتجاه القبلة حتى وجدت ثلاثة أضرحة لأئمة هذه الطريقة يستقبلهم المصلون في صلاتهم، وكذلك لمحت رجلاً قبل دخوله مكان الضريح خر ساجداً ومقبلاً المدخل، "فاقتنعت" تماماً أن طريقتهم بعيدة جداً عن التطرف الصوفي!
في شوارع عكا بدأت اللغة العربية تأخذ شكلاً أعرفه تماماً، فهو مشابه لأولئك الفتية المقدسيين الذين انخرطوا حديثاً في سوق العمل، وبدأوا يعملون في الشركات أو المستشفيات الإسرائيلية إما بالتنظيف أو مناصب أخرى، حيث يصر هؤلاء على إدخال كلمات عبرية إلى حديثهم ليبرهنوا لنا أنهم "مهمون"، لكن اللغة هنا لم تكن مصطنعة فتداخل اللغة العبرية مع العربية كان سلساً وكأنها لغة واحدة، حتى يافطات المحلات كانت جميعها بالعبرية وكذلك قائمة الطعام "المنيو" كانت بالعبرية وقد تدخل العربية بها أيضاً في بعض الأحيان.
بدأت هنا تتلاشى فكرة أن عكا على ما يرام، فسامي تراءى إلي في كل مكان، الفكر المنتشر بين أهالي عكا واحد، ألهذا الحد يمكن أن يغير احتلال مدينة لثمانية وستين عاماً فقط عقول البشر؟
الصدمة الكبرى التي جعلتني أتجه نحو البحر حتى أنسى أن عكا لم تعد فلسطينية صافية، كانت عندما وجدت يافطة كبيرة على أحد المباني كتب عليها بالعربية "بيتي مش للبيع"، فاجتاحني فرح كبير عندما رأيتها وكأني ربحت جائزة لطالما تمنيتها، فأصحاب البيوت فعلاً لا يريدون الخروج من عكا ولا يريدون أن يتركوا بيوتهم وراءهم ويرحلون، فهم بهذه اليافطة يتحدون قوة الاحتلال الذي لم يكتف بتهجير سكان المدينة عام 1948، بل ويريد استكمال مسلسل التهجير لمن تبقوا منها أو سكنوها بعد ترحيلهم من قراهم القريبة منها.
قابلت صاحب أحد البيوت في حي الشونة المهدد إخلاؤه من قبل المستثمرين، الذين رست عليهم المناقصة التي أعلنتها بلدية عكا ولجنة تطوير عكا وتهدف إلى ترميم عكا القديمة، فقد وضعت البلدية ولجنة التطوير شرطاً رئيسياً في بنود المناقصة والذي ينص على أن على المستثمر دفع مبلغ 2.5 مليون دولار أميركي شرطاً جزائياً إن لم ينجح بإخلاء 36 عائلة عربية من بيوتها خلال 5 سنوات. كان ذلك العكاوي مصراً على أن أحداً من العائلات لن يخرج من منزله مقابل أي إغراء مادي أو غيره وإلى هنا كان الأمر يبدو جيداً بالنسبة لي.
لكن الذي أثار حفيظتي هو عندما لم يبد صاحب البيت أي رفض في أن يكون الاحتلال هو المسؤول عن ترميم وتطوير بيته ومدينته، فهو يريد أن يبقى في بيته تحت لواء "إسرائيل"، لكن في حال رفضت إسرائيل ذلك، فخياره الثاني هو المطالبة بتسليم تلك البيوت إلى الوقف الإسلامي الذي كان مسؤولاً عن تلك البيوت قبل احتلال عام 1948، وتحويل بعض منها لسيطرة حارس أملاك الغائبين.
هذا العكاوي أخذ يسأل أسئلة كانت هي خاتمة حديثنا حيث تركته وغادرت قبل حتى أن ينهي طرح أسئلته والتي كانت على الشكل التالي، "هل ترى إسرائيل أن السكان العرب في عكا هم مواطنون وأصحاب حق؟ وهل ترى بالأماكن التاريخية الأثرية، وغير اليهودية، آثاراً تستحق الترميم من ميزانية الدولة؟".
الذي أنهى شرودي وأنا مستقبلاً البحر بعد أن تركت ذلك الرجل يطرح أسئلته الغريبة هم أولئك الفتية الذين أخذوا بالتسابق على القفز من السور إلى البحر دون خوف أو رهبة، فربما علموا أن بحرهم لن يغدرهم، وأنه سيبقى لهم وحدهم رغم الاحتلال، فكان شاطئ مدينة عكا القديمة خالياً من أي يهودي، على عكس مدن الساحل الأخرى التي تكتظ باليهود، ومن هنا فكرت أني رغم قهر تلك المدينة لي، فإنني سأكرر زيارتي لها. على الأقل، شاطئها يخلو ممن لا أحب رؤيتهم.