أصرت جدتي سودة أن نأكل الفول وقت السحور. طبعاً لم ينفع أبداً كل محاولات والدتي ووالدي بإقناعها بأن الفول –على الطريقة الفلسطينية- سيجعل صيامنا في اليوم التالي صعباً للغاية. فالعطش سيجعلنا منهكين فضلاً عن أنَّ الفول في حد ذاته يسبب الإنهاك الشديد. سودة لم يكن ليقنعها شيء إلا الفول في تلك الليلة. والفول على الطريقة الفلسطينية شيءٌ يختلف عن سواها من البلدان المجاورة: شطة (حر كثير) زيت مسخنٌ مع التوم والبصل فضلاً عن الكثير من الكمّون. كل هذه المطيبات تجعله صحناً لا يقاوم لكنها بنفس الوقت تسبب عطشاً لا حدود له. ذلك لم يثنِ جدتي سودة نهائياً، هو في نفس الأمر –لشهيته- لم يمنعنا رغم نصائح والدتي الكثيرة بالتخفيف منه –وقت السحور-.

في اليوم التالي وحينما أضحت الساعة الواحدة، كان الانهاك قد بلغ منا مأخذاً، فقام شقيقي الصغير –ولم يكن قد بلغ السابعة بعد- بشرب المياه أمامنا، لأنه وبحسب أمي فإن الصغار مسموحٌ لهم أن يفطروا عند منتصف النهار. تلك النقاط التي كان شقيقي يرتشفها من الماء، كانت تلتمع أمامنا جميعاً ونحن نشعر بحرقة قلبٍ على ما يحدث. طبعاً –وكما أخبرتكم في المرة السابقة- نحنُ لم نكن نعلم أبداً بأن جدتي لا تصوم، وبأنّها كانت تتناول الطعام والشراب خارج علمنا. لذلك كنا ننظر جميعنا بشفقة كبيرة لهذه المرأة العجوز المقدامة وكيف أنّها صابرة بكل قواها على "العطش" القاتل؛ حتى أن شقيقتي أخذت تحدثني عن الجيل القديم وكيف أنه أقوى منا، وكيف أنه يصبر ويتحمل الجوع والعطش لأنه "تربية" فلسطين وليس مثلنا تربية "مخيّم". كنت أستمع إلى ما تقوله شقيقتي بكل إصغاء لا لأنني أرغب، بل لأنه لا عمل آخر يمكن تأديته كي يمر الوقت الطويل، كنت أفكر في كمية المياه التي سأشربها، وكيف أنني لن آكل الفول مرةً أخرى على السحور. كل تلك الأفكار كانت تتلاعب في رأسي حتى شاهدت محمد ابن عمي ينظر غير مصدقٍ إلينا، لم نفهم لِمَ هو هكذا. كان محمد من عمري تقريباً، لكنه كصبي تربى وعاش في المخيّم لا يفاجئه شيء كثير.
مشهد محمد وهو مشدوه جعلنا نصرّ عليه أنا وشقيقتي كي نعرف ما به، هو حاول إخفاء الأمر، وأنه غير "مدهوش" وبأنه منهك فقط من الفول البارحة، لكننا أصررنا كثيراً عليه فاستجاب أخيراً وقال لنا تعالوا. مشينا الهوينا خلفه وإذ به يقترب من غرفة جدتي، كان إلى جوار الغرفة هناك جرة خزفيةٌ للماء، كانت هذه الجرّة لتبريد المياه، وهي فعلاً تكون باردةً أغلب الوقت، لكن المفاجأة كانت بأن هناك قنينتي ماءٍ صغيرتين موضوعتان خلفه بعناية. هو أخرجهما وقال بأن هناك أحداً "مفطرٌ" في البيت، وبأن هذا الأحد "خان الأمان" وطبعاً لم ينس أن يغني لنا أغنية رمضان الشهيرة: "يا فاطر رمضان يا مقلل دينك، الجاجة الحمرا توكل مصارينك". أشرنا عليه ساعتها بأن علينا أن نختبئ خلف الحائط وننتظر لنرى من سيأتي لتعبئة هذه القناني واستعمالها. ومرت نصف ساعة، وساعة، ولم يأتِ أحد، وكدنا نيأس، إلى أن ظهرت جدتي سودة وهي تمشي الهوينا. نظرت حولها، حملت إحدى القناني وبدأت بالشرب سريعاً، أنهت الأولى، وأكملت على الثانية، ساعتها خرج ابن عمّي من مخبئه صارخاً: شو عم تعملي يا ستي. هي نظرت إليه بكل هدوء ودون أي رجفة أو وجل: شو مالك؟ فرد عليها: عم تشربي والدنيا صيام! هي أعادت النظر إليه وإلينا حينما ظهرنا نحن من خلفه، ودون أن تهتم إذا كنا قد شهدنا شيئاً "جللاً": نسيت يا ستي، نسيت.