يواصل الاحتلال الإسرائيلي مساعيه الهادفة إلى تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى. ولعلّ ما جرى أمس، قد أعاد المقدسيين عامين إلى الوراء، إذ تحولت ساحة المسجد إلى ساحة حرب استخدم فيها الاحتلال الرصاص المطاطي والقنابل الصوتية ضد المصلين المعترضين على اقتحام المستوطنين للمسجد.

ووفق الاتفاق الذي توصل إليه الاحتلال مع الأوقاف الأردنية (المسؤولة عن إدارة الأقصى)، يُسمح للمستوطنين بـ"دخول" المسجد على فترتين (صباحاً من الساعة السابعة والنصف حتى الحادية عشرة، ومساءً من الواحدة والنصف لغاية الثانية والنصف). ونصّ الاتفاق على أن يُمنع المستوطنون من "دخول" الأقصى كلياً في العشر الأواخر من رمضان.
لكن في خلال هذا العام، ضرب الاحتلال بالاتفاق عرض الحائط، سامحاً للمستوطنين باقتحام المسجد طوال شهر رمضان، دون مراعاة لمشاعر المسلمين الذين يزداد وجودهم داخل الأقصى في العشر الأواخر من الشهر، إذ يستقبل الأقصى الزوار من كافة المناطق الفلسطينية، والمسلمين غير العرب، للاعتكاف في المسجد.
وعلى غير العادة، فتح الاحتلال "باب المغاربة"، الذي يسيطر على مفاتيحه منذ احتلاله للقدس عام 1967، سامحاً لعشرين مستوطناً باقتحام المسجد في ثاني يوم من العشر الأواخر من رمضان، وهو الأمر الذي أثار حفيظة المسلمين الموجودين فيه. وبمجرد رؤية المستوطنين، بدأ المعتكفون بالتهليل والتكبير في محاولة لمنع المستوطنين من إكمال مسيرهم، لكنّ قوات الاحتلال أطلقت القنابل الصوتية والرصاص المطاطي، إضافة إلى الهجوم على المصلين وضربهم بالهراوات، ما أوقع عدداً من الإصابات.
وذكر "الهلال الأحمر الفلسطيني" أنه نقل سبع إصابات، تنوعت بين الإصابة برصاص مطاطي وضرب على الرأس بالهراوات وجروح وحروق بسبب القنابل الصوتية، للعلاج في مستشفى المقاصد، بينما عولج 17 آخرون ميدانياً.
وقال المختص في شؤون القدس والمسجد الأقصى، ناجح بكيرات، لـ"الأخبار"، إن "الاحتلال يريد من خطوته الأخيرة تحقيق ثلاثة أهداف، يتمثل أولها في تخويف المعتكفين داخل المسجد حتى لا تزداد أعدادهم كثيراً، كما حصل في الجمعة الأخيرة حين صلى في المسجد الأقصى نحو ربع مليون مسلم. أما الثاني، فيتمثل بإثبات سيطرته وتحكمه أمام الدول العربية والإسلامية، وأنه مهما بلغت أعداد المصلين فيه، فلن يؤثر ذلك به. والثالث، التأكيد أن مشروع اقتحام المسجد الأقصى هو مشروع استراتيجي، ولن يتراجع الاحتلال عنه حتى لو أبرمت مئات الاتفاقات لتحجيمه".
ويريد الاحتلال، كما رأى بكيرات، "تأكيد وجوده في المسجد الأقصى بشتى الطرق حتى تطبع صورة إسرائيل في ذاكرة كل زائري المسجد وليتسنى له تحقيق وجود ملموس على أرض الأقصى متمثلاً ببناء مبانٍ إسرائيلية داخل حدود الأقصى، خصوصاً أنه يقوم بخطوات مشبوهة في الجهة الشرقية من المسجد تدل على أنه يخطط لإقامة مبنى هناك، حيث تقوم قوات الاحتلال بشكل مستمر بمسح أراضي تلك المنطقة ومنع الأوقاف من تنظيفها أو تبليطها، وتمنع المسلمين من دفن موتاهم في المقبرة القريبة من السور الشرقي للمسجد".
ومنذ احتلال مدينة القدس، تقوم قوات وسلطات الاحتلال بإجراءات متتالية لإطباق السيطرة على المسجد الأقصى. وقد هدم الاحتلال حارة المغاربة واستولى على مفاتيح "باب المغاربة"، ثم زرع قواته على أبوابه وأحاط أسوار المسجد بالأسلاك الشائكة والكاميرات، وعمل على تكثيف أعداد المقتحمين من مستوطن أو اثنين إلى أعداد كبيرة لها أوقات شرعية لاقتحام الأقصى.
كذلك حظر المشاريع التي هدفت إلى تكثيف الوجود الإسلامي في المسجد الأقصى كالمشاريع التي كانت تعنى بمصاطب العلم، وكذلك منع المرابطين من دخول الأقصى، الذين لا يزالون يؤدون صلواتهم على أبواب المسجد الخارجية.