أنا في أتمّ السعادة اليوم لما تشهده الإنسانية من تطوّر، وما تعرفه حقوق الإنسان من انتعاش. فاليوم، أي الـ26 من حزيران، تحتفل منظمة الأمم المتحدة بذكرى تأسيسها الحادية والسبعين. أنا متأكّد أنّ المنظمة الأممية التي رأت النور سنة 1945 في سان فرانسيسكو وقال مؤسسوها ما معناه إنّها جاءت لتملأ الأرض سلما بعدما شبعت حربا، سيأتي يوم يقال فيه على منابرها وعلى مسامع العالم كلّه إنّها كانت أكبر إنجاز بلاغيّ في القرن العشرين، وإنّها المنظمة الأجدر بأن تحمل صفة الهراء الدولي.

منظمة الامم المتحدة التي كانت تحقيقا لوعد أطلقته جماعة ما زالت أيديها ملوّثة بدماء الناس البسطاء وأعداد كبيرة منهم ماتوا من دون أن يدركوا معنى للحرب التي أحرقتهم، ولا سبب وضعهم في الخنادق وعلى المتاريس. تحقيق هذا الوعد انبنى على باطل لا ينبغي أن نستهين به ونقول إنّه أهون من باطل المنهزمين في الحرب الكبرى وتحديدا النازيين والفاشيين من روما إلى طوكيو، ومن ناغازاكي إلى برلين. لا فرق بين الحلفاء والمحور سوى الفرق بين من انتصروا ومن انهزموا، والدليل أنّ "كبيرة المنتصرين"، أي الولايات المتحدة الأميركية، ما زالت عام 45 ذاك تميّز بين سكّانها بحسب اللون، وتحتفظ في معتقلاتها بعشرات الآلاف من مواطنيها لا لسبب إلا لكونهم من الجنس الأصفر، وتقوم شركاتها الكبرى بإسقاط أيّ نظام لا يضحّي بمصالح بلاده لفائدة الأخ الأكبر الأبيض، وفي تراب كوبا وبورتوريكو وغواتيمالا وكولومبيا والشيلي والاكوادور، وبنما والسلفادور، ونيكاراغوا والأرجنتين من الجثث والأحلام ما نعجز عن عدّه، كما أنّ الدول المتحالفة لا يقلّ سجلّها الإجراميّ إبداعا في عدم الاحتفال بالإنسان أصلا، فضلا عن حقوقه. ويكفي ما كانت فرنسا تفعله في تلك السنة تحديدا في الهند الصينية وفي الجزائر من فظائع: فقبل شهر واحد، أي في أيار/ماي 1945، ارتكبت فرنسا أكبر جرائمها في بلد المليون شهيد وقتلت في يوم واحد قرابة 45 ألف شخص بحسب أقلّ التقديرات. ولا تسل عن بريطانيا وجرائمها الراسخة في الذاكرة في الشرقين الأدنى والأقصى.
هذه المنظمة العالمية التي مازال البعض يعتبرها منقذا، كان الشعب الفلسطيني أكبر وأهمّ وأوّل ضحاياها. فسخت الأمم المتحدة تقريبا حقوقه، وأنكرت أو كادت وجوده، وتحوّل شعب كامل إلى شعب من اللاجئين يهلّل سياسيوه بعد ستّين عاما من تهجيره لمجرّد جملة ترد في بيان للمنظمة إياها تتحدّث عن حقوقه أو تدين الانتهاكات التي تمارسها "الدولة" الوحيدة في تاريخ العالم التي ما كان لها أن توجد لولا قرار أمميّ.
كذبةُ الأمم التي ورثت شركة الأمم لم تنجز سوى هذا التشريد وهذا التشريع للاغتصاب، وخلاف ذلك أنتجت ملايين الكيلومترات من الكلمات الرنّانة عن حقوق الشعوب وحقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية وضرورة التضامن بين البشر، وحماية المحيط، وعن السلم العالمية. نصوص نتذكّرها خاصّة عندما يراد لسلطة مارقة عن الأخ الأكبر أن تُمحى من الخريطة أو أن يقع تحجيمها، فما لا يخدم مصالح هذا الأخ نجد في تشريعات الأمم المتحدة ما يبرّر محوه باستخدام أفظع الأسلحة. أمّا أن تعتذر الأمم المتحدة عندما يتبيّن للعالم أنّ منابرها كانت مطية للقتل مثلما حدث للعراق وأنها تورطت لتبرير حرب لا خدمة للسلم ولا للإنسانية فيها فهذا بعيد المنال.
المصادفة (وما أدراك ما المصادفة) جعلت من هذا اليوم أي الـ26 من حزيران يوما عالميا للتنديد بالتعذيب. ولا شكّ أنّ الحكومات ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان أعدّت منذ أيام بياناتٍ من خشب "لإحياء" هذا اليوم العالمي وتعداد المكتسبات المحققة امميا ووطنيا في هذا المجال. وكأنّ تشريد شعوب بأكملها بـ"فضل" سادة الأمم المتحدة من الإنجازات الحقوقية، وكأنّ إضافة الملايين من أبناء الشعبين السوري والعراقي إلى قوافل اللاجئين فيه نصرة للشعوب ومناهضة التعذيب، وكأنّ الحرمان من الأمن في الوطن وحرمان الأطفال من التعليم والصحة والأمن لا يدخل في باب التعذيب.
سنقرأ اليوم بيانات بديعة الصياغة، ونسمع خطبا رنّانة وسنفرح بمرور ذكرى تأسيس المنظمة العالمية للـ"هراء" مثلما نفرح بصورة أوّل حبيبة لم تبادلنا ولو نظرة من بعيد لأنها ببساطة كانت صورة في مجلّة. أمّا أحبّتنا الموزّعون بالتساوي بين المخيّمات وأحشاء أسماك المتوسّط فنقول لهم: إنّ ضمير العالم في نيويورك قلق من ممارسات التعذيب وسيندّد بها بكلّ ما أوتي من هراء.