«أيها الناس، لقد علمتكم أمور دينكم حتى صار كل واحد منكم عالماً بها، وعلمتكم أمور وطنكم حتى وجب عليكم الجهاد، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد، فإلى الجهاد أيها المسلمون، إلى الجهاد أيها المسلمون». كانت هذه آخر خطبة ألقاها الشهيد عزّ الدين القسّام القادم من مدينة جبلة السورية إلى حيفا في فلسطين المحتلة، ففي جامع الاستقلال المهدّد بالمصادرة اليوم، وقف الشيخ الشهيد أمام مريديه الذين أجهشوا بالبكاء، وهم يقبّلون يده في وداعه.

يذكر الأجداد ما قاله لهم أباؤهم، أن «القسّام» شوهد آخر مرّة أمام جامع الاستقلال يوم أتت سيارة وحملته إلى قرية «يعبد» في جنين، وبقي هناك حتى استُشهد ورفاقه الذين خاضوا معركة غير متكافئة ضد الجنود الإنكليز.
ويبدو أن الشهيد الذي دفن في حيفا عام 1935، لا يزال حتى في مماته يقارع الاحتلال، فقد تعرضت مقبرة القسّام التي أقيمت في بلد الشيخ المهجورة (مستوطنة نيشر حالياً) في حيفا، لمضايقات عدّة من المستوطنين الذين خطوا شعارات مسيئة إلى القسّام، بالإضافة إلى محاولتهم نبش قبره، أما سلطات الاحتلال فلم تترك طريقة في سبيل مصادرة المقبرة التي تعود ملكيتها إلى الأوقاف الإسلامية في المدينة.
تدعي شركة «كيرور أحزكوت» الإسرائيلية أنها اشترت قسماً من أرض المقبرة لأهداف تجارية وتُطالب بالحصول على الجزء الباقي لاستكمال مشروعها التجاريّ.
أمّا كيف حصل ذلك، فيشرح المحامي المسؤول عن متابعة الملف، خالد دغش، لـ«الأخبار» أنّ الشركة تدعي شراء القسم ممّا يُسمى «دائرة أراضي إسرائيل» عام 1955، وجرى تأكيد الصفقة مجدداً عام 1962، علماً بأن «دائرة أراضي إسرائيل» تدّعي أيضاً أنها اشترت قسماً من المقبرة عام 1970، إلا أنّ هذا الجزء لم يسجل في دوائر التوثيق، ما يؤكد أنّ صفقة الشراء مشبوهة.
متولو حيفا لم يكونوا على علم بالصفقة، كما يؤكد دغش، مضيفاً أنه في عام 2000 أصدرت السلطات الإسرائيلية حكماً غيابياً، من خلال المحكمة، ودون مثول أي متولي، يقضي بضرورة الحصول على القسم الذي بيع للشركة. وما يؤكد أن الصفقة مشبوهة، أن هذا الحكم لم يسلّم لمتولي الوقف.

استأنفت الشركات الإسرائيلية المذكورة إجراءات الحجز ضدّ متولّي الوقف

وفي عام 2015 دُعي دغش إلى المحكمة وطلب منه إخلاء المقبرة بالاستناد إلى الحكم الغيابي عام 2000، إلا أنه أوضح أنه لم يتسلّم أي أمر ولا يعقل أنّ ينفذ أي مشروع تجاري على هذا الجزء الذي يحوي قبوراً. وبناءً عليه، أجّلت المحكمة النقاش في القضية حتى تاريخ 22/11/2016، طالبةً الحصول على أدلة تثبت أن الجزء الذي بيع يحوي قبوراً، علماً بأن المحامي أثبت ذلك أمام القاضي.
وعلى ما يبدو، قد تخضع المحكمة لمطالب الفلسطينيين وتعيد لهم الجزء المتنازع عليه من المقبرة، كما يؤكد دغش، مستدركاً أنه كما الحال في مقبرة الاستقلال، قد «تلزمنا المحكمة بدفع كافة المصاريف المترتبة على الصفقة والإضرار من إبطالها والتي قد تصل إلى ملايين الشواقل، وإلا تُصادَر المقبرة من طريق دائرة الأملاك، مدعيةً أنها لتسديد الديون ستقوم بالحجز على المقبرة وبيعها، الأمر الذي يضع مقبرة القسام في دائرة الخطر بكل الأحوال!».
وفي هذا الأطار، يقول دغش لـ«الأخبار»: «من نافل القول أنّ هذه المقبرة تحمل دلالة رمزية، فهي تتجاوز البعد الديني إلى القومي، حيث دفن فيها شهداء معارك النكبة ما قبل الـ 48، وعليه فإن الحديث ليس فقط عن أموات بقدر ما هم شُهداء على تاريخنا ونكبتنا، وأيّ محاولة اعتداء على هذه المقبرة يعني محاولة لطمس تاريخ نكبتنا وإخفاء ما بقي منه من معالم».
لا تختلف قضية مقبرة وجامع الاستقلال كثيراً عن قضية مقبرة القسّام. فـ«الاستقلال» التي تقع في حيفا أيضاً بيعت عام 1994 لشركتي البناء الإسرائيليتين «شموئيل رونين» و«مائير رايطن». أمّا من باعها، فيشرح دغش: «للأسف من كانوا مسؤولون على الوقف حينها تبين لاحقاً أنهم مدسوسون وعملاء، فقد باعوا المقبرة بإبرام صفقة تجارية مع الشركتين».
متولو الوقف (الذين عيّنوا من اللجان الشعبية في حيفا)، نجحوا بعد نضال جماهيريّ وقضائي في إبطال صفقة البيع، ولكن المحكمة المركزيّة في حيفا أقرّت إبطال هذه الصفقات وإلغاءها، مطالبةً إعادة ما دُفع لمسؤولي الوقف حينه، لكونهم أبرموا الصفقة باسم الوقف، فتتحول لجنة المتولّين إلى الجهة القانونيّة المسؤولة عن إعادة الأموال التي دُفعت، بغضّ النظر عن الأشخاص. واستؤنف القرار في المحكمة العليا، التي عادت وثبّتت قرار المحكمة المركزيّة.
في أعقاب القرار استأنفت الشركات الإسرائيلية المذكورة إجراءات الحجز ضدّ متولّي الوقف وضد أملاك الوقف في حيفا، ومنها مقبرة الاستقلال، وضدّ مسجد الاستقلال نفسه، مطالبةً بإعادة أموال الصفقة التي تقدَّر اليوم بـ 3 ملايين شيقل (800 ألف دولار أميركي).
وفي السياق نفسه، يؤكد دغش أن عليهم دفع هذه التكاليف بأسرع وقت ممكن قبل أن يحول الملف إلى «دائرة الإجراء» التي ستعمل على استعادة المبلغ عبر مصادرة المقبرة.
وفي مطلع الشهر الحالي بدأ فلسطينيو الـ48، وعلى رأسهم «متولو أوقاف حيفا والجرينة» بحملة لجمع المبلغ، إلا أنهم حتى اللحظة لم يتمكنوا من جمعه، ما يضع الوقف الحيفاوي في دائرة الخطر مرة أخرى.
وعلق دغش على الحملة قائلاً إن «التكاتف والالتفاف الجماهيريّ داخل الـ 48 يُثلج الصدر، من كافة التيارات والأحزاب، الدينية والعلمانيّة»، لكنه أشار إلى أنهم بحاجة لدعم عربي، إذ إن «الواضح أمامنا حتى اللحظة أنّ مساعي تجنيد المبلغ قد لا تتكلل بالنجاح».