■ «الهجرة إلى داعش» تعني قطيعة مع المجتمع

■ يقدم «داعش» عرضاً إيديولوجياً... على عكس «اليسار»
■ لم تعد المدرسة التونسية أداة لصناعة النخب الحديثة

■ بعد هجوم بن قردان، عزيت سبب «هجرة» الشباب التونسي إلى «داعش» إلى عوامل عدّة، فما هي دلالات مصطلح «الهجرة»؟
الهجرة مستخدمة بالمعنى السوسيولوجي، وبالمعنى المجازي أيضاً، وذلك للدلالة على رغبة فئات كثيرة من الشباب التونسي في مغادرة البلاد بحثاً عن بدائل أخرى، لأنهم يشعرون بأن الحياة في تونس لم تعد تطاق، وذلك نتيجة غياب الأفق المهنية وضبابية المستقبل وعجز الطبقة السياسية عن إعطاء الأمل لهم. كذلك يسودهم الشعور بأنهم مستبعدون ولا أحد يستمع إليهم، إنهم يعيشون في «مجتمع الاحتقار» (وفق عبارة اكسيل هونيث) الذي لا يتحقق فيه لهم أي نوع من الاعتراف.
ويسود هذا الشعور خاصة لدى الفئات الشبابية من أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة التي تعيش مفارقة مؤلمة، تتمثل بالطموح في الاندراج في مجتمع الاستهلاك في حين أن الدعائم التي لديها، وخاصة الاقتصادية، لا تسمح بذلك بفعل البطالة والهشاشة المهنية، إضافة إلى تراجع الدولة والعائلة والمدرسة، على أن تكون مؤسسات للدمج وتحقيق الحماية للفرد، فيشعر هؤلاء الشبان بأنهم متروكون لحسابهم، وعليهم تبعاً لذلك أن يبحثوا عن خلاصهم بمفردهم، في ظل حالة من اللايقين واللامعيارية السائدة.
وفي هذا السياق، تأتي الهجرة كاستراتيجيا وخيار وفعل هرب من واقع أليم. وثمة الهجرة السرية (الحرقة) إلى أوروبا، وهي المتصاعدة بعد الثورة وقبلها في «قوارب الموت» حيث يموت عدة شبان في عرض البحر الأبيض المتوسط قبل أن يصلوا إلى «الجنة الأوروبية». أمّا «الهجرة» إلى «داعش» فهي نوع من الهجرة كذلك، وتكون بشكل سري أيضاً، يلبسها أصحابها لباساً دينياً، وتعني إعلان القطيعة مع مجتمع يرون فيه أنه لا يطبق الشريعة، وهذه الهجرة تكون أحياناً داخل المجتمع ولا تعني بالضرورة فقط الذهاب إلى سوريا أو ليبيا للقتال، فبعض من الذين شاركوا في عمليات إرهابية لم يسبق لهم أن ذهبوا إلى سوريا أو ليبيا. هنا تعني الهجرة إقامة حدود مع المجتمع بأكمله وإقامة تعارض عنيف مع الدولة، وهذا المعنى يستخدمه «الجهاديون» أيضاً ضمن دلالة دينية. ولكن هذه الهجرة، سواء أكانت في الداخل أم في الخارج، تظل دائماً خياراً راديكالياً له جذور نفسية واقتصادية وسياسية، وتعبير عن إحباطات جرت أسلمتها وأدلجتها بقصد توظيفها في حرب مدمرة.

■ لقد اعتبرت أن الفقر تجربة ذاتية تدفع الأفراد إلى «هجرة» كهذه (إلى داعش) كطريق للخلاص. لكن ألا يمكن برأيك محاصرة ذلك؟
الدولة لا تملك حتى الآن إلا الحل الأمني لمجابهة هذه الظاهرة. وإن أدى هذا الحل إلى الخفض النسبي من حدة الظاهرة ومحاصرتها، لكنه سيظل قاصراً إن لم يندرج ضمن استراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب يتكامل فيها الأمني، مع التربوي والاقتصادي، والسياسي، وكذلك مع البحث العلمي. فالدراسات والبحوث العلمية التي تفهم الظاهرة وتفككها لا تزال نادرة في تونس، ولا أحد يعرف تحديداً الأرقام الحقيقية والخصوصيات السوسيولوجية للمنخرطين في الحركات الجهادية الراديكالية. وإن وجدت دراسات، فهي مجرد تقارير قامت بها مراكز بحث أجنبية، فيما لا توجد دراسات محلية كثيرة حول الظاهرة. وفي المقابل، لا تمتلك تونس إلى الآن استراتيجية لنزع الراديكالية (la déradicalisation) من خلال فعل توعوي يقوم على آليات علمية وبيداغوجية، فيما نلاحظ أن دولاً مثل فرنسا، وإنكلترا، وكندا، قد تقدمت بأشواط في هذا المجال. إذن، المعالجة الأمنية لا تكفي وحدها فالظاهرة معقدة ومركبة والتصدي لها يجب أن يكون أيضاً متعدد الأبعاد، ينبني أساساً على فهم الظاهرة وتحليلها حتى يُتَصدى لها بنجاعة كافية.

■ برأيك، لماذا نجحت الراديكالية الدينية في استقطاب الشباب التونسي ولم تنجح الأحزاب اليسارية التونسية؟
سؤال مهم جداً، ففي الحقيقة إنّ الراديكالية الدينية نجحت منذ الثمانينيات في استقطاب الشبيبة من خلال حركة الاتجاه الإسلامي (النهضة حالياً)، ويتصاعد الأمر الآن مع بروز «داعش» الذي استقطب أكثر من خمسة آلاف شاب تونسي يقاتلون إلى جانبه، وهو رقم كبير وهذا يثير تساؤلات كثيرة لعل من بينها سؤالكم.
الأحزاب اليسارية خصوصاً لم تنجح فعلاً بعد 14 جانفي (كانون الثاني 2011) في استقطاب الشباب وإقناعه برؤيتها، ويعود ذلك إلى عدة أسباب، من بينها أنها ما زالت تتحدث بخطاب إيديولوجي قديم لا يفهمه الجيل الجديد، ونظرتها إلى الشباب عموماً لا تزال تلك النظرة الكلاسيكية التي ترى فيه مجرد جناح وذراع شبابي للتنظيم الحزبي يجب أن يخضع لرؤية الزعيم ويتلقى «كلمة الأمر». بعض الأحزاب اليسارية في تونس تسودها ديكتاتورية مقيتة في داخلها، فأحد الزعماء اليساريين لم يبارح منصبه منذ أكثر من ثلاثين سنة، أي إنه حكم أكثر من بن علي، في حين أن شبيبة اليوم تكره «الينبغيات» والنزعة الأبوية، في ظل بروز نوع من الفردانية لديها، وهي تبحث عن تحقيق الذات ونزع الاعتراف، والقيام بأدوار، وهذا ما لا يتوافر لها في الأحزاب عموماً والأحزاب اليسارية خصوصاً.
كذلك لم يتجذر اليسار اجتماعياً بعد وبقي «نخبوياً»، بل تحول إلى مجرد إطار احتجاجي لبعض الفئات المريّفة والمتريثة التي لم تجد لها موقعاً في العالم الحضري. وإضافة إلى هذا، إنّ الأحزاب اليسارية لم يعد لها عرض إيديولوجي مغرٍ (offre idéologique) على غرار ما كانت عليه في السبعينيات، حين كانت فكرة الصراع الطبقي قادرة على التعبئة، في حين أن هذا البراديغم يتراجع اليوم، كما يرى المفكر الفرنسي ألان تورين ويأخذ مكانه براديغم جديد هو البراديغم الثقافي، حيث لم تعد المطالب هي مطالب اجتماعية، بل هي أساساً مطالب ثقافية وهوياتية تتعلق بالدين والهوية والصراع من أجل العدالة الاجتماعية بمعناها القيمي والإيتيقي. وللأسف تظهر في هذا الإطار «داعش» كحركة اجتماعية مضادة نجحت في إغراء جزء من الشباب التونسي لكونها قد قدمت عرضاً إيديولوجياً بدا مغرياً في عيون فئات شبابية محبطة من خلال منحها مساحة للبروز، ولو عبر الموت واللعب على مشاعر الإحساس بالضيم لديها وغياب العدالة، وذلك عبر أدوات اتصالية مباشرة ومتطورة وخلق شبكات تضامنية تمكنها من إعطاء المعنى للوجود الذاتي... لكن في المقابل، لا يمكن أن ننسى أن المجال السياسي كان محتكراً من قبل الديكتاتورية، ومن قبل الحزب الحاكم، وهو ما عرقل تبلور أحزاب يسارية فاعلة.

المطابقة بين السبسي وبورقيبة دعاية وحيلة سياسية لا غير

■ تحدثت عن انهيار «مدرسة الجمهورية» وأنها أصبحت مجرد جهاز لصناعة وإعادة إنتاج الجهل السائد، فاقدةً بذلك هدفها الأول (صناعة مجتمع الطبقة المتوسطة)... كيف يتبدى هذا الانهيار مجتمعياً؟
يتبدى هذا الانهيار أولاً في توقف الاعتقاد في المدرسة كمصعد اجتماعي. يجد متخرجو الجامعات أنفسهم مرميين في الشارع بعد الحصول على شهادات جامعية، وهو ما يشعرهم هم وعائلاتهم بأن المجهود الذي قاموا به لم يقع مجازاته، وتعويضه من خلال إيجاد شغل. كذلك هناك تضخم عددي لمتخرجي الجامعات على حساب النوعية، وهذا أمر مرتبط أساساً بسياسة جمهرة التعليم التي اعتمدت لأسباب سياسية، وهذا ما جعل قيم الطبقة المتوسطة المرتبطة بقيم الاستحقاق تتآكل وتفقد معناها.
من جهة أخرى، لم تعد المدرسة أداة لصناعة النخب الحديثة مثل ما كان عليه الأمر في بداية الاستقلال. ويبدو أنها مع تراجع سردية الدولة الوطنية قد تحولت إلى مجرد جهاز خضع بفعل توصيات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى منطق السوق الذي يدعم منطق اللامساواة بين الفئات الاجتماعية، وهو ما بينته نتائج البكالوريا أخيراً، إذ أظهرت النتائج عن فجوة تربوية رهيبة بين المناطق الساحلية والداخلية، ومن المؤكد أن هذه الفجوة موجودة بين الأحياء الفقيرة والأحياء الراقية في المدن. وإنّ أي تحليل جاد للشأن التربوي في تونس سيكشف حتماً عن فضائح.
أما من ناحية القيم، فالمدرسة التونسية لم تعد ضماناً لقيم العقلانية والحداثة وبناء المجتمع، بل إن قيم مضادة للعقلانية صارت تخترقها مثل الفكر التقليدي والظلامي الذي صار يعشّش في صفوف التلاميذ والطلبة ووصل إلى الأساتذة والمعلمين. كذلك نشهد صعود «الأمية الثقافية» في صفوف طلبة الجامعات، وهذا أمر تؤكده التصنيفات العالمية المتدنية جداً للجامعة التونسية، إضافة إلى مؤشرات أخرى عديدة لا يتسع المجال لذكرها.

■ كيف يمكن الرئيس، الباجي قائد السبسي، الذي سوّق لنفسه على أنه بورقيبة تونس الحديث، أن ينجح في إعادة بناء «المدرسة» المنهارة؟
صحيح! الباجي قائد السبسي قدم نفسه على أنه وريث بورقيبة، لكن ذلك كان في إطار حملة انتخابية قامت على تعبئة الطبقة المتوسطة ضد الإسلاميين، وقد وجد نفسه في ما بعد متحالفاً معهم. لذا، إنّ المطابقة بين السبسي وبورقيبة هي دعاية وحيلة سياسية لا غير، فبورقيبة زعيم كبير وشخصية إشكالية وصاحب مشروع ورؤية للمجتمع. والتعليم، والمدرسة عموماً جزء لا يتجزأ من مشروع بناء الدولة الحديثة، وقد نجح فيه بورقيبة إلى حد ما من خلال تعميمه وإجباريته ومجانيته وتحويله إلى أداة للخروج من التخلف. في حين أن السبسي وصل إلى السلطة في سياق سياسي جديد، مختلف عن تجربة بورقيبية، هو سياق ما بعد 14 جانفي 2011 وقد وصل إلى سلطة ليس لكونه يحمل برنامجاً ومشروعاً، بل في ظل احتدام وتطاحن إيديولوجيين لا غير، وهذا ما تبين من خلال انفجار حزبه (نداء تونس) وتشظيه.
الباجي يمارس البراغماتية السياسية، ويحاول أن يدير توازنات وموازين قوى لا غير، أمّا عن المشروع المجتمعي المواطني القائم على تصور للتعليم بما هو أداة لخلق مواطن متشبع بقيم الديموقراطية والحرية والمواطنة، فهذا يتجاوز الباجي، وهو مسؤولية جميع القوى. لكن المشكلة أن لا أحد يمتلك رؤية وتصوراً بعيد المدى لما يجب أن تكون عليه المدرسة، من حيث هي مشروع لبناء مجتمع عادل وديموقراطي... المشكلة في تونس الآن هي غياب الرؤية.