شكّل الحكم الصادر عن المستشار الجليل في مجلس الدولة، يحيى الدكروري، والقاضي بمصرية تيران وصنافير بالاستناد إلى وثائق وخرائط ومكاتبات وتعليمات الدولة المصرية ــ رغم توافر العديد من الخرائط والوثائق الخارجية ــ رسالة واضحة للحاكم، مفادها أن الدولة المصرية هي التي تؤكد مصرية الجزيرتين. وكان لهذه الرسالة أثر كبير لدى قطاعات واسعة من الشعب المصري، فاختار البعض أن يقرأها تحت شعار الثقة في الرئيس، أو تحت شعار "تصرف ذكي من الرئيس!"، بينما ظلّ آخرون على ثقتهم بالقوات المسلحة وبأجهزة الدولة السيادية، خصوصاً بعدما صرّح الرئيس على الهواء بأنه سأل الجميع فأبلغوه بأنهما سعوديتان (وهكذا ربط في حينه الرئيس قراره بقرار القوات المسلحة المصرية والأجهزة السيادية في الدولة).

وقد اختارت بعض القطاعات من الشعب المصري رفع شعار "سعودية الجزيرتين". كذلك فإن جماعات الضغط السعودية داخل مصر (وهي جماعات مرتبطة بمصالح سعودية، سواء أكانت أعمالاً تجارية أو إعلامية أو تبعية دينية وهابية، إلخ...) رفعت من وتيرة المعركة لمصلحة السعودية وتبعية الجزيرتين لها.
في المقابل، فإنّ معظم الكتلة الحيوية من شعب مصر، وبالذات بعدما عايشت احتواء الثورتين وإجهاضهما من حلف أصحاب المصلحة، قد تحركت لكي تأتي من كل حدب وصوب بوثائق وخرائط مصرية وعالمية تثبت مصرية الجزيرتين. وفي الحقيقة نجحت تلك الكتلة في أن تغرق وسائل التواصل الاجتماعي في بحر من الخرائط والوثائق والمعلومات. لذلك، عندما صدر حكم مجلس الدولة، علت حدة المعركة وزاد الغضب المشتعل واصطف الشعب بين فريقين: "فريق سعودي" أكثر من السعودية نفسها، له رموزه في الدولة المصرية وله أعلامه؛ وفريق آخر مواجه متمسك بمصرية الجزيرتين، بل ووصل التشكيك حتى مستوى شرعية الرئيس نفسه، فيما تواضع البعض وادعى تآكل الشرعية بسبب تيران وصنافير وبسبب الفشل في العديد من الملفات، وليس آخرها ملف الثانوية العامة وفضائحه.
وعندما قررت الدولة، ممثلة في أجهزتها وبرئيس الجمهورية، الطعن بالحكم وتحديد جلسة سريعة لوقف التنفيذ بصورة فيها الكثير من الإهانة للدولة المصرية (التي وللمرة الأولى في التاريخ تتبرع للتنازل عن جزء من أراضيها)، قام محامو الدفاع عن مصرية الجزيرتين بـ"ردّ المحكمة"، معلنين أسبابهم التي تتلخص في أن رئيس المحكمة مستشارٌ في جامعة القاهرة التي منحت ملك السعودية الدكتوراه الفخرية كجزء من احتفالية ترسيم الحدود البحرية، وأنّ عضو اليمين في المحاكمة مستشار لوزارة الخارجية التي هي خصم في القضية، وأنّ العضو الآخر هو المكلف من الوزير العجاتي وقام باستقبال اللواء ممدوح شاهين المرسل من القوات المسلحة للمحاكمة. ويبدو أنّ اللواء شاهين لا يريد أن يختفي من المشهد بعد أدواره التي لعبها في فترة حكم المجلس العسكري في التفاوض والحوار مع جماعة الإخوان المسلمين (ونأمل أن يأتي اليوم الذي نعرف فيه حقيقة أدوار اللواء). وهكذا، جاء رد المحكمة كاشفاً لتغلغل الحزب السعودي في مصر، وكيف عرّت هذة الخطوة الفضائحية ما تم من قبل أجهزة الدولة المصرية.
وممّا صدر من حكم ورد المحكمة بعده يتكشف لنا أن هناك شروخاً عميقة طاولت شرعية الرئيس، وأن شعبيته تتآكل بشكل كبير وسريع، بعدما اكتشف المصريون أن طريقة اتخاذ القرار شملها عوار كبير، وأنّ التمسك بسعودية الجزيرتين رغم الحكم المنقذ للسلطة، يؤكد لقطاعات واسعة من الشعب عدم الاطمئنان إلى الوطن في ظل هذه القيادة التي أعطاها الشعب الكثير من الثقة والتأييد. وكشفت الأحداث عن فشل كبير وعن تدنٍّ هائل في الكفاءة. فهل يعقل أن تخرج الحكومة عبر محامي الدولة بإعلان أن مصر احتلت الجزيرتين؟ لذلك كان من الطبيعي أن يعلق البعض بالقول: ما دامت مصر قادرة على احتلال جزر، فلم لا تعيد أم الرشراش (إيلات)؟
هكذا نستطيع أن نجمل المتغيرات الواقعة في مصر (الدولة والوطن والشعب) بعد الحكم التاريخي بمصرية الجزيرتين، وبعد الطعن من قبل الحكومة، في الآتي:
أولاً: وقع انقسام ليس بالبسيط في وحدة الشعب المصري. ثانياً: هناك شروخ عميقة أصابت شرعية الرئيس، خصوصاً بعد حكم المحكمة بمصرية الجزيرتين، وبعد انكشاف طريقة تشكيل المحكمة الإدارية العليا. ثالثاً: إن محاولة دمج القوات المسلحة بالرئيس والرئيس بالقوات المسلحة قد حمّلت القوات المسلحة أخطاء حكم الرئيس ونواقص إدارته للبلاد، ولعلّ هذا أول طريق تحميل الجيش مسؤولية ما حصل في الوطن من فشل. رابعاً: الحزب السعودي في مصر حزب كبير وذو نفوذ كبير، وفيه مسؤولون كبار من أجهزة الدولة، وتقريباً هو مسيطر على معظم الأدوات الإعلامية. خامساً: كشفت معركة تيران وصنافير عن قطاعات حيوية ونشطة في المجتمع المصري، وهي قطاعات شديدة الوطنية والانتماء وقادرة على خوض معارك. سادساً: إنّ سوء إدارة معركة الجزيرتين من قبل أجهزة الدولة سيترك شرخاً في العلاقات المصرية السعودية، نأمل ألّا يصل إلى شرخ بين الشعبين المصري والسعودي. سابعاً: ما زالت هناك مساحة من الغموض غير واضحة في أسباب إقدام الرئيس على تسليم الجزيرتين بهذا الشكل إلى السعودية، وحول علاقة دولة الكيان الصهيوني بذلك، وعلاقة ذلك بمشروع الدولة السعودية المقدم من ولي ولي العهد ودور ذلك في المواجهة القادمة بين السعودية وإيران، وما مصلحة مصر في ذلك. ونأمل أن نقدم قراءة قريبة في هذا الملف.