قبل أشهر، قال الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في أحد تصريحاته، إن تحقيق الديموقراطية في مصر يتطلب «فترة تراوح بين 20 و25 عاماً». طبعاً، كان من الطبيعي التوجه إلى الرئيس السيسي لسؤاله عن مغزى ذلك التصريح الذي ظهرت من خلاله «عملية الانتقال الديموقراطي» وكأنها مشروع يلزّم لأحد الأطراف بغية تنفيذه في مهلة محددة.

اليوم، في «ذكرى يونيو الثالثة»، قد يمكن تقسيم المشهد المصري بين دائرتين عامتين. تشتمل الدائرة الأولى على صراع السلطة مع جيل شاب خرج إلى الحياة السياسية من رحم ثورة «يناير 2011»، وهو صراع ربما لم يرده حكّام مصر الجدد، لكنه بات أمراً واقعاً في ظل التضييق على الحريات وإغلاق المجال العام، وفي ظل «اختطاف القرار السيادي» (كما يقول البعض) بمبرر «الصراع المستمر مع جماعة الإخوان المسلمين» من جهة، و»تنامي التهديد الإرهابي» من جهة أخرى. أما الدائرة الثانية، فإنها ترسم أطر تكريس الرئيس المصري لأدوات حكمه ولركائز سلطته، بصورة باتت تلاحق يوميات المصري بالخوف من الآتي.

انفراط «تحالف يونيو»

الناشط الحقوقي، جمال عيد، الذي شارك في «ثورة يناير» ضد مبارك وفي التظاهرات المناهضة لمرسي، يقول، في حديث صحافي: «عندما أتذكر 30 يونيو 2013، أشعر بأنه تم خداعنا وأنه تم توظيفنا من جناح في الدولة ليس لإطاحة الإخوان وبدء تأسيس نظام ديموقراطي، بل لاستيلاء الجيش، وهو جزء من نظام مبارك، على السلطة». ويشرح أنه «تم استغلال الكراهية الشعبية للإخوان من أجل الاستيلاء على السلطة. فعندما نزلنا إلى الشارع، كنا نشعر بأنّ الإخوان خانوا الثورة ولم يعد يعنيهم تحقيق أهدافها في الديموقراطية والعدالة الاجتماعية، وكنا نريد انتخابات رئاسية مبكرة يتاح لمرسي نفسه خوضها من جديد».
إنّ «الخداع» الذي يشير إليه، جمال عيد، أفضى في خلال الأعوام الثلاثة الماضية إلى تفكك عقد «معسكر (أو تحالف) 30 يونيو» الذي كان قد وقف بعضه في وجه «الإخوان» حين راكموا أخطاء الحكم والتفرد به.
بالتوازي، عمل الجنرال خلال الأعوام الثلاثة على التخلص من غالبية منافسيه المحتملين: المرشح الرئاسي الأسبق، حمدين صباحي، يتعرض لحملات تخوين، محمد البرادعي بات بدوره يحظى بانتقادات شعبية بعد استقالته إثر قرار فضّ اعتصامات أنصار «الإخوان» بالقوة، أما «وصيف» انتخابات 2012، الفريق أحمد شفيق، فرغم دعمه للسيسي في خلال حملته الرئاسية، فإنه لا يزال ممنوعاً من العودة إلى مصر لأسباب عدة.

العلاقة بين مصر والسعودية مثال واضح عن العلاقة الزبائنية

ركائز السلطة

عن ذلك المجال العام الذي أنشأه حكّام القاهرة الجدد، فإنّ بعض الناشطين السياسيين يشرحون أنّ «السيسي يديره عبر جهازين فقط. المخابرات التي تجمع المعلومات وتنسق بين الوزارات والأجهزة المختلفة، وهي تلعب دوراً كبيراً في إعداد تقارير العلاقات الخارجية، وبدور داخلي لا يقل أهمية عبر التنسيق بين القوى خاصة الداعمة للرئيس. أما القوات المسلحة، فإنها تشارك في اتخاذ القرارات وتقدم تقارير لتقدير المواقف، إلى جانب التواصل مع الحكومة في ما يتعلق بمساعدتها على الوفاء بالتزاماتها المالية أو تلبية احتياجات المواطنين بتوفير السلع الأساسية التي تعجز الحكومة عن المحافظة على أسعارها، وذلك في وقت تحولت فيه الهيئة الهندسية التابعة للقوات المسلحة إلى حكومة موازية تعمل بالأمر المباشر، وفقاً لتكليفات الرئيس في المشاريع التي يأمر بتنفيذها».
ومن الجدير ذكره، أنّ تلك المشاريع الاقتصادية والتنموية التي يعمل السيسي على إظهارها وكأنها «مشاريع قومية ستأتي بالرفاه للشعب»، انتقدها العديد من الاقتصاديين المصريين، إضافة إلى اعتقاد البعض أنّ مشاريع، مثل قناة السويس الجديدة، أخفقت اقتصادياً.

غرق... في «الخليج»؟

ترافق كل ذلك، منذ 2013، مع «جعل خطاب المؤامرة الخارجية أكثر حضوراً وطغياناً، لدرجة جعلت الحديث عن المؤامرة الخارجية مبتذلاً، خاصة مع غياب التسمية المعلنة لهؤلاء المتآمرين»، كما يقول محمد نعيم في مقالته الأخيرة: «أم الدنيا... ضد الدنيا وخارجها».
في السياسة الخارجية، حاول «الريّس» استعادة توجه يقضي بالتقلب بين التوازنات الدولية سعياً إلى تكريس دور القاهرة الإقليمي والحفاظ على الأمن القومي المصري (الأساسي للحفاظ على العالم العربي سياسياً). لكن يبدو أنّ القاهرة في زمن السيسي، تمادت كثيراً في الاعتماد على دولتي الخليج: السعودية والإمارات.
في حديث إلى أكاديمي غربي يعرف القاهرة جيداً، يقول إنّ «العلاقة بين مصر والسعودية مثال واضح عن العلاقة الزبائنية... وذلك في وقت أنّ السعودية تدمّر قيمة المجتمع المصري ببطء وباطراد». ويشرح أنّ «الدولة المصرية يجب أن تفعل ذلك لأنه من دون ودائع السعودية، سيصل التدهور السريع في قيمة الجنيه إلى انفجار أزمة».
وبينما لا بد أن يطول الحديث عن العلاقة مع «الحليف الأوثق»، أي الإمارات، فمن المهم الإشارة، كما ذكر تقرير أخير في «لوموند» الفرنسية، أنّ «الأموال الإماراتية التي تريد أخذ نصيب في مشاريع مصرية، تصطدم بالجيش المصري الذي يسيطر على الجزء الأكبر من الاقتصاد الوطني، وأيضاً بوسط الأعمال المصري. وقد تعاظم استياء أبو ظبي بعد الاستخفاف المصري بالتدخل في اليمن».




أين هم «الإخوان»؟

تقف جماعة الإخوان المسلمين بعد ثلاثة أعوام على حافة انقسام كبير لم تشهد له مثيلاً في تاريخها، وذلك في وقت يقبع فيه الآلاف من قياداتها وأعضائها ومناصريها في السجون.
يتنازع فريقان من «الإخوان» قرار الجماعة. الأول هو فريق محمود عزت الذي يُقال إنه مقتنع بضرورة «التصالح مع النظام». أما الفريق الثاني، فهو فريق شبابي مدعّم ببعض القيادات التاريخية (مكتب الأزمة في الخارج)، اختار المواجهة مع النظام، وهو يقدّم قراءات كالقول بأنّ «إخفاق الجماعة كان سببه عدم ثوريتها الجادة حين حكمت».
ومن المعروف أنّ الفريق الثاني قريب من تركيا، وهو أصدر بياناً قبل يومين رحّب من خلاله بالتطبيع التركي ــ الإسرائيلي تحت مبرر «الترحيب بمساعي تخفيف الحصار عن أهلنا بغزة». وبينما يدور حديث أنّ «محمود عزت عاد إلى مصر قبل مدة، وهو تحت أعين الأجهزة الأمنية، وهو قابل بفكرة التصالح»، فإنّ فكرة التصالح عموماً يبدو أنها أخفقت حين حاول الملك السعودي سلمان رعايتها، فيما قد تأخذ منحىً إيجابياً في حالة حصول تقارب بين القاهرة وأنقرة. لكن في جميع الأحوال، هناك أصوات «إخوانية» عدة باتت تقرّ صراحة بأنّه جرى منذ أعوام (منذ 2013 على الأقل) التلاعب بالجماعة من قبل بعض الأطراف الإقليمية، وتشير تلك الأصوات بوضوح إلى أنّ ما هو مهم الآن ليس «التصالح»، بل استعادة وحدة «الجماعة».