أصرّت موسكو منذ بدء عمليتها العسكرية في سوريا، على تأكيد أولوياتها بمحاربة الإرهاب والحفاظ على مؤسسات الدولة السورية. الرؤية الروسية ارتكزت على نقطتين: الأولى تتمثل في أن تمدد الإرهاب سيطاول جميع الدول، وستكون حصة روسيا كبيرة نسبياً نظراً لوجود آلاف المقاتلين في صفوف الجماعات الناشطة على الأرض السورية من دول الاتحاد الروسي، وتتمثل الثانية في أن التدخل العسكري الخارجي على غرار ما حصل في ليبيا والعراق، سيؤدي إلى تدمير هياكل الدولة الحكومية والإدارية، وسيخلق فوضى تخلخل توازن الشرق الأوسط. محورية استقرار سوريا، أكدها أمس، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي رأى أن مستقبل الشرق الأوسط ودول عدة أخرى يعتمد على مصير الأزمة السورية، مؤكدا أن «المعركة المصيرية» مع تنظيم «داعش» ستحسم في سوريا. ولفت خلال كلمة في الاجتماع الدوري للسفراء الروس لدى الدول الأجنبية والمنظمات الإقليمية والدولية، إلى أن القوات الروسية «فعلت ما في وسعها من أجل صد الإرهابيين والحفاظ على الدولة السورية والحيلولة دون حدوث تدخل أجنبي غير مشروع»، مشيراً إلى أن التسوية النهائية للنزاع «ما زالت هدفاً بعيد المنال».

وعلى صعيد متصل، أكّد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أن بلاده ستواصل سياسة تقريب المواقف مع موسكو حول الملف السوري. وقال في مقابلة مع قناة «NTV» التركية، أن «بذل الجهود من أجل تقريب مواقفنا، استمر حتى في فترة اختلاف الآراء إزاء المسألة السورية. وسنتمسك بالنهج ذاته». وأضاف: «قلنا دوما أن على روسيا وإيران اداء دور هام في البحث عن حل مستقر في سوريا ومن الضروري انخراطهما في هذه العملية». وفي السياق، أعلن السفير الروسي في دمشق، ألكسندر كينشاك، أن قرار موسكو تطبيع العلاقات مع تركيا قد ينعكس إيجاباً على تسوية الأزمة السورية، وعلى جهود مكافحة الإرهاب. كذلك، رأى كينشاك في مقابلة مع صحيفة «إيزفيستيا» الروسية أن «الهيئة العليا للمفاوضات» غير مستعدة لخوض حوار بناء مع الحكومة، على الرغم من التقدم الذي حصل على مستوى إيصال المساعدات الإنسانية، والتزام الطرف الحكومي اتفاق وقف الأعمال القتالية. وأشار إلى أن المحادثات لا يمكن أن تستمر اذا استمرت مطالبة «الهيئة» برحيل الرئيس السوري، موضحاً أن المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا لم يحدد موعد الجولة المقبلة بعد، ولا يرى ضرورة في استئناف المحادثات ما دامت الأطراف المعنية غير مستعدة لحوار بنّاء وجدّي. وأضاف أن «ممثلي القيادة السورية يبدون استعدادهم للتعاون مع روسيا وتنسيق مواقفهم معها في اطار التسوية السياسية... طبعاً يتخلل هذا أحياناً اختلاف في وجهات النظر وهذه مسألة طبيعية».
ونفى السفير استهداف القوات الجوية الروسية لمواقع «المعارضة المعتدلة»، مؤكداً التزام بلاده «تنفيذ كافة التزاماتها»، ومشيراً إلى أن القوات الروسية تستهدف المجموعات المسلحة التي تشارك مع «جبهة النصرة» التي لا يشملها اتفاق الهدنة. وقال كينشاك: «طلبنا من شركائنا تزويدنا بإحداثيات مواقع مجموعات المعارضة التي يدعمونها، غير أنهم تجاهلوا طلبنا»، موضحاً أن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وأوكرانيا رفضوا إدراج «جيش الإسلام» و«أحرار الشام» في قائمة التنظيمات الإرهابية، بحجّة عدم كفاية الأدلة، غير أن السبب الحقيقي هو «الكيل بمكيالين ومحاولة تقسيم المعارضة إلى جيدة وسيئة ومعتدلة وغير معتدلة».
ولفت إلى أن روسيا «تدعم كافة القوى التي تحارب داعش ومن ضمنها الأكراد»، منوّهاً إلى أن «إحدى الصحف السورية ذكرت بأن هجوم الأكراد من الشمال باتجاه الرقة والقوات الحكومية من الغرب باتجاه المدينة نفسها، يجري بالتنسيق بينهما، ما أجبر داعش على توزيع مسلحيه على جبهتين». وتابع قائلاً: «البعض اعتبر هذا منافسة بين الحكومة والأكراد. ليس هناك ما يستوجب اعتبار هذا التنسيق منافسة، لأن المسألة لا تكمن في من يدخل المدينة أولاً، بل في أهمية تحريرها».
(الأخبار، أ ف ب، تاس)