لفت السلوك «الوسواسي» الذي تتبعه نور انتباه رشا، التي تعمل متطوعةً تقدّم الدعم النفسي في أحد مراكز ضاحية قدسيا في دمشق. تقول رشا: «لم تكن نور (ستة عشر عاماً) تشارك في أي نشاط نقوم به داخل المركز، سواء بالمشاركة في لعبة جماعية أو الرسم أو الغناء. لكن بعد شهر من قدومها، نشأ بيننا ما يشبه الصداقة، لتخبرني بعد فترة عن تعرضها للاغتصاب على يد أحد المشرفين في المركز الذي كانت فيه سابقاً». تعرضت نور للاغتصاب على يد المشرف مدة أربعة أشهر، اكتشفت في خلالها أنها لم تكن الفتاة الأولى ولا الأخيرة التي تتعرض للاعتداء على يد المشرف ذاته أو صديقه. تضيف رشا: «تحاول نور في كل مرة تستحم فيها، التخلص من آثار المشرف، الذي كان يصحبها إلى الغرفة الصغيرة الموجودة على سطح المركز والتي كانت تستخدم مستودعاً للغذاء». حجة اصطحاب الفتيات إلى المستودع كانت إعطاءهن حصصاً غذائية مميزة عن البقية، وهناك يحصل الاعتداء، وإذا رفضت إحداهن الانصياع، يأتي التهديد بقطع الغذاء عن عائلتهنّ وفضح أمرهنّ بعد أن صورهن في أثناء ممارسته للجنس معهن، وهذا ما دفعهن إلى السكوت وعدم الشكوى لأحد.
عدد حالات الاغتصاب في دمشق وريفها وصلت إلى 75 حالة

معظم الحالات التي صادفتها رشا في خلال ثلاث سنوات من عملها في مراكز الإيواء في مختلف المناطق السورية، هي لفتيات وسيّدات كن يتحدثن عن معاناتهن بعد الانتقال من المكان الذي حصل فيه الاعتداء عليهن، ولم يخبرن أحداً خشية قطع المعونات عن أسرهن، أو طردهن خارج المراكز التي تشكل الملجأ الوحيد. وكنّ يكتفين بمشاركة ما حصل، مع أشخاص محل ثقة كمقدمي الدعم النفسي أو الأطباء الذين يزورون المراكز، فمعظم الأحيان كان المعتدي مسؤولاً في مركز الإيواء أو متطوعاً يتردد دائماً.
بحسب رئيس الهيئة العامة للطب الشرعي، حسين نوفل، في تصريحات صحافية له، ارتفعت عدد حالات الاغتصاب، سواء على المرأة أو الأطفال، بنحو ملحوظ في ظل أعوام الأزمة، على الرغم من أن آخر دراسة لعدد الحالات كانت في عام 2011، وكشفت حينها أن عدد حالات الاغتصاب في دمشق وريفها وصلت إلى 75 حالة. ورأى نوفل أن عدداً كبيراً من الأسر النازحة استأجرت في غرف صغيرة، ما زاد من عمليات العنف والاغتصابات والتحرش.

«الوالد» المتحرّش

تضغط سمر (اسم مستعار) على محرك آلة الحياكة خاصتها، محاولة استغلال وجود التيار الكهربائي لإنجاز طلبات الزبائن. تعيش ابنة الأربعة عشر عاماً مع والدتها وشقيقتها وأخ صغير لم يتجاوز الثماني سنوات في محلّ تجاري مؤلف من صالة وركن صغير تحوّل إلى مطبخ، فيما تستخدم العائلة حمّاماً بالكاد يتسع لشخص واحد وقوفاً. تقول والدة سمر: «كنا نعيش في أحد مراكز الإيواء بعد أن تهجرنا من منزلنا في منطقة الذيابية (ريف دمشق)، توفي زوجي الذي كان يعمل في تركيب البلاط، وبقينا دون معيل... لكن بعد وصولنا بستة أشهر إلى الملجأ بدأت ابنتي تتغير وأصبحت عصبية المزاج، تتوتر بسرعة وتنام لساعات طويلة وانقطعت عن الطعام». تشرح الوالدة: «راقبتها طويلاً وسألتها، ليتبيّن أن جاراً لنا يسكن مع عائلته، يقوم بسحبها عند غرفة الدرج ويتحرش بها جنسياً».
لا تعلّق سمر كثيراً على حديث والدتها، فهي لم تكن تدري ماهية الفعل الذي يقوم به الجار الذي «كان في البداية يحنّ عليها كأنه والدها»، لكنّها تروي ما حدث معها، وتقول: «كان يجلسني إلى جانبه وسط أبنائه ويعطيني الشوكولاتة والبسكويت، لكنه لاحظ تعلقي بأحد أصناف الشوكولاتة، فصار يحضرها ويقول لي: أريد أن أعطيك إياها بعيداً عن بقية الأطفال كي لا يشاركك أحد فيها». وتتابع: «كان يطلب مني أن أجلس على رجله، وعندما كنت أنفر منه كان يطلب مني اعتباره بمثابة والدي، وفي إحدى المرات مد يده إلى ثديي، وعندما انتفضت وحاولت الهرب، ثبتني وصار يتمادى أكثر. وعندما كنت أبكي كان يضع يده على فمي كي لا يسمع أحد صوتي». لا تحبّذ سمر الحديث بهذا الأمر كثيراً، لكنها تريد أن يصل صوتها، كي لا تتعرض فتيات أخريات للأمر «المقرف» الذي حدث لها.
وحول هذه الحالات في مراكز الإيواء، يعلّق مدير أحد المراكز في ضواحي دمشق، بالقول: «لا يمكننا أن ننكر حالات التحرش التي تقع في المراكز، فنحن نعاني من الأعداد الكبيرة في المركز، ونضطر أحياناً إلى وضع أكثر من عائلة ضمن غرفة معيشة واحدة، لذلك يكون الأطفال والشباب معرضين لمشاهدة العملية الجنسية أو سماع الأصوات في أثناء نومهم، وغالباً ما يقوم الأطفال بتجربة هذا الأمر في ما بينهم».

لا مكان للمعنَّفات والعازبات

ارتفاع نسبة العنف ضد النساء أدى إلى زيادة كبيرة في أعداد من يطلبن الحماية في الظروف الحالية. ويشرح مدرب مهارات الدعم النفسي الاجتماعي شادي العمر لـ«الأخبار»، قائلاً: «في أغلب مناطق العالم، وفي ظل النزاعات والحروب والأزمات، لا يمكن اعتبار مركز الإيواء بيئة آمنة بالمعايير التي تحددها الحماية النفسية لمفهوم الأمان، غير أنه يوجد بعض المراكز في سوريا، التي تعتبر آمنة بسبب احتياطات وإجراءات استثنائية لا يمكن بسهولة توفيرها لجميع المراكز».
كذلك، تجد المنظمات الإنسانية والحقوقية صعوبة في التأكد من الوضع الإنساني والحقوقي للنساء الموجودات في مراكز الإيواء داخل سوريا، بسبب الأوضاع الأمنية السائدة. وأورد عدد من الجمعيات والمنظمات غير الحكومية في تقريرها المقدم للجنة «سيداو» (اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة)، أنه لا تُستقبَل النساء الوحيدات المعنفات والمعرضات للخطر، متزوجات كنّ أو عازبات، في مراكز الإيواء التي فتحت لاستقبال النازحين إلى جانب وجود دارين وحيدتين فقط للإيواء في مدينة دمشق، هما دير راهبات الراعي الصالح وواحة الأمل.