فجّر اعتماد قانون جديد للانتخابات بالجزائر سخطاً عارماً لدى المعارضة التي اتهمت الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بالتراجع عن وعود الإصلاح التي قطعها على نفسه في غمرة أحداث "الربيع العربي". يأتي ذلك في وقت تسود فيه مخاوف كبيرة من تراجع مناخ الحريات العام في البلاد.

ومررت الحكومة الجزائرية القانونين العضويين المتعلقين بالانتخابات والهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات، على الغرفة الأولى للبرلمان، قبل يومين، في جلسة صوّت فيها حزب العمال بـ"لا"، بينما قاطعتها المجموعات البرلمانية لكل من "جبهة القوى الاشتراكية" و"تكتل الجزائر الخضراء" ونواب "جبهة العدالة والتنمية".
ويفرض قانون الانتخابات الجديد على كل حزب أراد الترشح، الحصول على نسبة 4% من الأصوات في الانتخابات السابقة، وهو ما لا تتوافر عليه جلّ الأحزاب باستثناء الموالية للسلطة، في وقت أن هذه المادة، وفق أحزاب الموالاة، تسمح بغربلة الساحة السياسية من "الأحزاب المجهرية التي لا تظهر إلا في المواعيد الانتخابية".
ولقي التصديق على القانونين هجوماً عنيفاً من علي بن فليس، وهو أبرز منافس للرئيس بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية لسنة 2014، إذ اتهم السلطة بإعطاء "نفس جديد للتزوير والتمديد من عمره". وقال، في بيان، إن النظام السياسي القائم، من خلال قانون الانتخابات الجديد، "يحضر الأرضية لاسترجاع بيد ما تنازل عنه باليد الأخرى في خضم حالة الارتباك القصوى التي وضعته فيها الثورات العربية في سنة 2012".
ويشير كلام بن فليس إلى تعهدات الرئيس بوتفليقة بالإصلاح السياسي، في ذورة ما كان يشهده العالم العربي من حراك سياسي عام 2011. وبعدما خمدت تلك الأحداث، سُجل تراخٍ كبير في تحقيق هذه الإصلاحات، حتى أن الدستور الذي وُعد به الجزائريون في 2012 لم يظهر إلا في سنة 2016.
ولم تشذ "جبهة القوى الاشتراكية"، أقدم حزب معارض في الجزائر، عن هذه المعاينة للوضع، فقد اعتبرت، في بيان أمس، أعقب اجتماعاً لها أن النظام يبحث عن إعادة تشكيل المشهد السياسي وفق رغبته، وضمان قاعدة مريحة للانتخابات الرئاسية المقبلة، وتعزيز الالتقاء بين المشتغلين بالسياسة ورجال الأعمال.
ويلاحظ كثير من الحقوقيين، أن الجزائر تعيش في الفترة الأخيرة تراجعاً في مجال الحريات بمختلف أنواعها، على الرغم من اعتماد البلاد دستوراً جديداً، قبل خمسة أشهر، يتضمن مواد تعزز في الظاهر من حقوق المواطنين وحرياتهم الفردية والجماعية، في تناقض صارخ بين النصوص والواقع.
وضمن هذا السياق الذي يمتاز بالتضييق على الحريات، تبرز قضية مجمع "الخبر" الإعلامي (الأكبر في البلاد)، إذ اعتُقل مدير قناة "كا بي سي" التابعة لهذا المجمع، يوم 24 حزيران الماضي، ووضع في الحبس الاحتياطي، بعد تشميع استوديوهات برنامجين ساخرين كانت تبثهما القناة ويحظيان بنسبة مشاهدة عالية.
أما القضية الأخرى التي شغلت طويلاً الرأي العام، فهي إجراء الحكومة تعديلات على قانون المستخدمين العسكريين، يُمنَع بموجبها الضباط المتقاعدون من الخوض في القضايا السياسية، وتشدد من إجراءات "واجب التحفظ" في حال مخالفتهم هذه التعليمات، تصل إلى حد إدخالهم السجن.
عن هذا الواقع، يقول بوجمعة غشير، وهو عضو المكتب التنفيذي لـ"شبكة الديموقراطيين في العالم العربي"، إنه يعود بالجزائر إلى زمن "الحزب الواحد"، ويُعَدّ تراجعاً عن كل المكتسبات التي حققتها الجزائر في مجال الحقوق والحريات بعد إقرار التعددية السياسية والإعلامية في البلاد سنة 1989.
ويرصد الحقوقي في حديثه إلى "الأخبار"، "مجموعة كبيرة من الانتهاكات التي تخصّ مجال الحريات، مثل حرية التعبير وحرية التجمع وإنشاء الجمعيات والنقابات وحرية التظاهر، وهي كلها مظاهر تجري في ديكور تعددي لكنه يتبنى نفس أساليب نظام الحزب الواحد (الفترة التي حكم فيها حزب جبهة التحرير الوطني من 1962-1989)".
ويعتبر غشير أن "ثمة مسارين مختلفين، فمن جهة خطاب السلطة والأجهزة التابعة يبشر بالحقوق والحريات وبعهد الدولة المدنية، فيما يشير الواقع إلى أننا نعيش عهد الدولة البوليسية"، مبدياً اعتقاده بأن "للأمر علاقة بترتيبات خلافة الرئيس، من خلال إسكات كل الأصوات التي يمكن أن تزعج صناع القرار في مشروعهم".