شيءٌ في غزة يُجبرك على متابعة الأخبار حتى لو تعمدت ألا تقرأها! وهو، للمفارقة، الشيء نفسه الذي يجعلك مقهوراً في كل مرة! لماذا نُمجِّد أولئك الذين لا يأبهون حقاً بما نُعانيه؟ ما نفع النفاق؟ ما فائدة المؤتمرات والزيارات والتنديدات والتصريحات؟ كم مؤتمراً كانت نتيجته حبراً على ورق فقط! يا خسارة الحبر ويا خسارة الشجر!

صباح الثلاثاء الماضي تفرَّغ بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، فقرر زيارة شبه دولتنا المنكوبة. وحقيقة غزة لأسباب عدة تخوله ليُعرب عن قلقه في الحقيقة، هذا كله جيد إلى الآن!
جاءت زيارته سريعة وخاطفة. زار المستشفى القطري للأطراف الصناعية ومبنى وكالة "الأونروا" الرئيسي، وواحدة من مدارس الوكالة في القطاع. كانت هذه زيارته الأخيرة لغزة في منصبه الحالي كأمين للأمم المتحدة حيث أنه أتم العشر سنوات في وظيفته السابق ذكرها، كان معدل قلقه فيها أكثر من معدل انقطاع الكهرباء في غزة!
في الحقيقة زيارته كانت روتينية وعادية. لكن الغريب الذي أظهرته هذه الزيارة، ما ظهر كما لو أنه حساسية تجاه خريطة فلسطين التاريخية والتي تشتمل على كل المناطق الفلسطينية قبل وبعد النكبة. تلك الخريطة كانت معلقة بزهوٍّ فوق جدران مدرسة الأونروا التي كان من المقرر أن يزورها. طلاب المدرسة تعرفوا الى فلسطين الحقيقية منها، وأدوا لها التحية والسلام الوطني كل صباح!
فجأة، وخلال نقل مؤتمره من هناك، نكتشف بأن هذه الخريطة غطيت تماماً بقطعة من القماش الأبيض! لقد أخفوها تماماً فلم يكتشف الأمر سوى بالمقارنة مع صور سابقة للمكان نفسه مع الخريطة!
لماذا يا جماعة بان كي مون خفتم من الخريطة؟ يا أخي أين قلقكم حيال مستقبلنا الفلسطيني؟ هل خفت أن "تأخذ اسرائيل على خاطرها" منك؟ أم خفت أن تكون الخريطة بمثابة إدانة لإنكاركم لهذا التاريخ؟ ماذا يعني ما حدث؟ هل تغضب هذه الخريطة الأمم المتحدة التي لا يبدو أنها متحدة إلا على الفلسطينيين والضعفاء من الأمم؟
الأمم المتحدة التي دائماً ما تُصرِّح بحق الدول في سيادتها وفي تقرير مصيرها! كله إذاً كلام في الهواء؟ لم نُعلِّق آمالنا عليهم؟ ألا يكفي!
الحكومة في غزة أيضاً كذبت. كل أولئك الذين يرتدون أفخم البدلات ويركبون الجيبات والسيارات الحديثة ويجلسون على الكراسي الوثيرة كذبوا! كلهم صفقوا لبان كي مون في حين كانت الخريطة الفلسطينية مغطاة أمامهم! كان كلما قال جملةً، صفقوا، كأنهم مدهوشون بوجود هذا الموظف المقفل الوجه تماماً كأبواب الحل أمامنا.
ختامك لم يكن مسكاً سيد بان! كان يمكن لك أن تكون كبيراً بالوقوف إلى جانب المستضعفين مثلنا، لكنك تفضل فقط أن تعبر عن قلقك، الذي يعبر ربما عن عجزك كموظف أمام من وظفك من حكام الإمبراطورية.
كل الذي حصَّلناه في النهاية من الأمم المتحدة وتحديداً من ولايتك هو رصيد كبير من القلق، لكنه ليس قلقاً إيجابياً كقلق الأم على أبنائها أو الجنود على بلادهم، بل أشبه بموقف لا يحس فيه من يعرب عن قلقه بأدنى قلق على من يدعي أنه قلق عليهم.
قلقٌ هزليّ لا يحمل أي معنى سوى صمت التواطؤ عن كل النكبات والنكسات التي تلاحقنا كفلسطينيين.
عزيزي بان: تباً لك وللأمم المتحدة علينا.. وتباً للسياسة إن كانت بلا أخلاق!