قال رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، قبل مغادرته إلى أفريقيا إن زياته تسعى إلى توسيع «رقعة التعاون البيني»، وهي جزء من الجهود المبذولة للعودة إلى أفريقيا على نحو واسع. وبحسب تعبيره أيضاً، فإن«الآلية التي سنبدأها الآن ستتوّسع أكثر خلال السنوات المقبلة».

بالطبع، الجهود الإسرائيلية نحو أفريقيا، لن تلقى أيّ رد فعل عربي، ولن تنظر إليها الأنظمة العربية كتهديد، بعدما أزيلت فلسطين من جدول أعمالها. وإذا كانت الدول العربية نفسها، تسعى وتعمل بجهد، بل هي في الواقع حليفة استراتيجية لإسرائيل، فهي بالتأكيد لن تمانع بأن تُفتح الأبواب الأفريقية على مصراعيها، أمام حليفها الجديد في المنطقة.
ورغم أن أهداف زيارة نتنياهو المعلنة إلى الدول الأفريقية الأربع، تركزت بحسب تصريحات المسؤولين الإسرائيليين والمعلقين في الإعلام العبري، على الجانب الإقتصادي والدبلوماسي، إلا ان الجانب الأمني والإستخباري لن يغيب عنها، بل يمكن القول ان ما يعلن من أهداف إقتصادية ودبلوماسية، سيكون في خدمة المصالح الأمنية الأسرائيلية، كهدف نهائي لهذه الزيارة.
على نقيض الأنظمة العربية، تشخّص إسرائيل التهديدات الماثلة أمامها، وأيضاً تلك المقدّرة وفي طور التشكل، وتسعى مسبقاً للحؤول دونها، أو دون تشكلها، أو الحد من تأثيرها السلبي فيها. زيارة نتنياهو إلى الدول الأفريقية الأربع، تأتي في هذا السياق وضمن هذه الأهداف، وذلك لحماية الأمن القومي لإسرائيل.
في العقد الأول على نجاح المشروع الصهيوني، أي في خمسينيات القرن الماضي، عمد أول رئيس لحكومة إسرائيل، ديفيد بن غوريون، إلى إقرار وتفعيل إستراتيجية تطويق دول الطوق العربي بحلف أو تفاهمات مع دول محيطة بهذه الدول، وتحديداً مصر. عرفت هذه الإستراتيجية بـ«حلف الأطراف»، وكانت هذه السياسة من أهم المداميك التي إستندت إليها إسرائيل لمواجهة الدول العربية. ضمن هذه الإستراتيجية، عمدت تل أبيب إلى تعزيز تحالفها مع تركيا وإيران – الشاه وقبرص، والكرد (العراقيين) والمسيحيين في السودان، ليشمل ذلك ايضاً، دول القرن الأفريقي، وفي مقدمتها اثيوبيا.
وإذا كان لإيران الشاه وتركيا وقبرص حسابات خاصة للإصطفاف الى جانب إسرائيل، إلا أنّ حسابات دول «حلف الأطراف» الأفريقية، وتحديداً في القرن الأفريقي، تختلف بشكل جذري، وهي تاريخياً دول فقيرة نسبياً وغير مستقرة أمنياً وتحتاج الى تنمية إقتصادية وزراعية بشكل واسع جداً، الأمر الذي مثّل مدخلاً لإسرائيل للتأثير في قراراتها ودفعها لخدمة مصالحها الأمنية والإقتصادية على السواء.
وهذه الدول بحكم موقعها الجغرافي، لا تمثّل فقط طوقاً على الدول العربية من الجنوب، وتحديداً مصر ـــ عبد الناصر حينذاك، والتي واجهت إسرائيل طويلاً، بل هي مطلة على البحر الأحمر (إستقلت أرتيريا عن أثيوبيا عام 1993)، الذي يعد شرياناً حيوياً واستراتيجياً للإقتصاد الإسرائيلي بإتجاه آسيا ومنها.

تسعى إسرائيل
إلى محاصرة إيران
بالتحالف مع الدول المحيطة بها

النسخة الجديدة من استراتيجية «حلف الأطراف»، تغيّرت مع تغيّر العدو. إنسلاخ العرب عن قضيتهم المركزية فلسطين، وتوّجه أغلبهم للصلح ولعقد التسويات والتحالف مع اسرائيل، قلب المعادلات. إلا أنّ الإستراتيجية الإسرائيلية بقيت نفسها مع تغيّر أهدافها.
إنحصار أعداء إسرائيل بإيران وحلفائها في المنطقة، جعل تل أبيب تتطلع للدول المحيطة بالجمهورية الإسلامية، وأيضاً الدول المحيطة بحلفاء إيران: سوريا وحزب الله في لبنان، وفصائل المقاومة في فلسطين المحتلة.
من هنا يأتي التوجه الإسرائيلي نحو أذربيجان وتركيا والسعودية وبقية دول الخليج، بإعتبارها دولاّ تطوّق إيران جغرافياً، بمعنى نقل الحدود الإسرائيلية افتراضياً، بتحالفها مع هذه الدول، إلى تخوم الحدود الإيرانية.
في الوقت نفسه، تتوجه إسرائيل بموجب هذه الإستراتيجية الى الساحات والممرات التي توصل إيران بحلفائها، ومن بينها الدول المطلة على البحر الأحمر وعلى ممرات الإمداد العسكري الإيراني إلى أعداء إسرائيل. الفائدة الرئيسية من العلاقات، إضافة إلى فوائد أخرى، هي الجمع الإستخباري عن التهديد والعمل التشغيلي لمواجهته والحد منه.
ويعدّ الموساد الإسرائيلي عرّاب العلاقات مع هذه الدول تاريخياً، ويوكل إليه التخطيط والتنفيذ، وهو ممر الزامي لكل المقاربة الإسرائيلية، التي في العادة المتبعة تبدأ بمشاريع اقتصادية صغيرة، زراعية أو صحية أو تجارية، كما هو الحال مع الدول الافريقية والقرن والافريقي تحديداً، لتتطور لاحقاً وليضاف اليها التدريب والتسليح ومن ثم «الخدمات المتبادلة» الأمنية والإستخبارية. وهو ما يفسّر ضم عدد هائل من مديري الشركات ورجال الأعمال الإسرائيليين ضمن الوفد المرافق إلى كينيا واثيوبيا تحديداً، حيث سيعمل والموساد على توسيع وتوطيد «مجالات التعاون» مع الدولتين.
إلى ذلك، تأتي زيارة نتنياهو الى إثيوبيا وكينيا لتطوير العلاقات مع البلدين، لأنهما تمثّلان مقراً وممراً للإستخبارات الإسرائيلية، ولأنهما أيضا ساحتان فعالتان في مواجهة خطوط الإمداد الإيرانية في المنطقة، وتحديداً ما يتعلق بالوسائل القتالية الإيرانية المرسلة لأعداء إسرائيل.
وكما إتضح أمس، تتركز زيارة نتنياهو إلى أوغندا على الجانب الإستعراضي بمناسبة مرور ٤٠ عاماً على «عملية عينتيبي» للفدائيين الفلسطينيين عام ١٩٧٦، رغم اللقاءات التي ستجمعه هناك مع مسؤولي سبع دول شرق افريقية. وتهدف زيارة أوغندا إلى تعزيز وإسترجاع الحضور الإسرائيلي الإستخباري والعملياتي في وعي أعداء إسرائيل. إلا أنّ زيارة اثيوبيا وكينيا تأتي ضمن أهداف إستراتيجية مخصصة لتعزيز «التعاون» حمايةً لمصالح إسرائيل، لدى ومن خلال، أهم دولتين في القرن الأفريقي. أما زيارة رواندا فتأتي على خلفية ترؤسها الدورة الـ27 للإتحاد الأفريقي، والدفع قدماً بخطط تل أبيب للإنضمام إلى الإتحاد بصفة عضو مراقب، الأمر الذي يفتح أمامها آفاقاً إضافية نحو القارة السمراء.