مع سرعة الانهيار الاجتماعي وتصاعد العنف الطائفي، قبل عقد من الآن، وتحوّل المناطق في بغداد إلى كانتونات مغلقة ما بين السنّة والشيعة، بلغ الافتتان أشدّه بحيّ الكرّادة، حيّ للجميع، يشكو التهديد الأمني الدائم وغدر السيارات الملغّمة. بقي منطقةً للنساء والفتيات يمشين فيه بحريّتهن، لا رقيب ولا "سلطة مقدّسة" تجرؤ على أن تجاهر بالمنع في هذا المكان. إنّها الكرّادة التي تقول الكتب والمصادر إنّ "شارع الداخل" فيها أسّس أشهر مناطقه وأقدمها، وهي "إرخيته"، امرأة تحمل الاسم نفسه. جماليات هذا الحيّ آتية من قوّة ومكانة امرأة، توارثت عنها كرّاديات اليوم هذه السلطة، حيث يمشين بعطورهن الفواحة وبسفورهن الجريء، يضئن الشارع بتجوالهن بين المحالّ والأسواق المفتوحة.

هنا تداخلت نزعات التحديث مع الطبائع التقليديّة للمكان البغداديّ، فالنزعات تعزّزت في الحيّ تحديداً بعد عام 2010، مع عودة شباب مغتربين إلى بغداد من دمشق وبيروت وبعضهم من أوروبا، إذ بدت فيه محال الملابس والعطور بتصاميم "مودرن" وديكورات جذابة أكثر، وتكاثرت مشاهد شباب يهتمّون بمظهرهم وملبسهم إلى أقصى حدّ، مع مقاهٍ عامرة بأشكالها وأسمائها، حيث الوسامة في الشارع والروائح المتباينة تجعل الفضاء مختلفاً حقّاً.
في هذا الحيّ الشهيد، تجد أبنية قديمة من بنات "الحوش" البغداديّ التقليديّ مكتوباً عليها "بُني عام 1935"، وهي في الغالب تعود إلى مسيحيين عراقيّين للمساتهم وجود إلى يومنا، تسمع في "شارع الداخل" وحده، من ينادي: ("أهلاً أبو سجّاد"، و"أهلاً أبو عمر"، و"أهلاً أبو ساندرو")، ومن هناك فقط انطلقت الاحتجاجات المُشرقة على السلطة عام 2011. وكان الطريق عبر "الكرّادة" سالكاً إلى "ساحة التحرير" وإلى نبض جواد سليم، كما أطلق فيه مثقفون ومسرحيون حواراتهم عن مشاريع وفعاليّات احتضنتها أروقة هذه البيئة المدنيّة. إلى الكرّادة لجأ ابن الكرخ الذي كان قد هرب أو تحرّر للتوّ من سطوة تنظيم "القاعدة" (قبل سنوات)، وكم قضى ابن مناطق شرق القناة في بغداد وقتاً مستقطعاً من زمن التطرّف والمحاكم الشرعيّة؛ لشرب الأركيله والانتشاء بتناول ما يشاء، يوم عزّ عليه ذلك في محيطه؛ لتحريمها من جماعات متنفّذة باسم الدين والمذهب.
كانت الكرّادة عجيبة حتّى في حزنها، منذ أوّل ثلاثة شهداء أخوة زفّتهم بعد عام 2006، وظلّت الملغّمات والعمليات الانتحاريّة مستمرّة، يستشهد الشاب فتعلق العائلة صورته على عمود كهرباء. إلا أنّ مجزرة الأحد الماضي بعد الانفجار الإرهابيّ، فظيعة وكبيرة إلى درجة تفوق الخيال، مفزعة في هول حزن الأمهات المفجوعات، والطريقة المأسوية لنهاية عائلات بالكامل، تفحّم أفرادها ومصائرهم تحت الأنقاض، بعد احتراق ثلاثة مجمّعات تجاريّة وعجلات ومارّة تجاوز عددهم 250 شهيداً، جراء عصف تفجير السيّارة المملوءة بمادّة الـC4، والتي فاقمها كمّ العطور المخزونة في المحالّ، لتزيد من حجم النيران في مأتم عراقيّ كلّ ما فيه واقع وحقيقة، وليس تفاصيل فيلم رعب ثقيل على من يتابعه.
أمّ تصرخ هنا: "أريده جثّة كاملة، أعطوني أيّاها"، رامية بحجابها وعباءتها على الأرض، ومفجوعون ينشرون صور المغدورين: "مسعود مع ابنه الملاك الجميل الذي تفحّم معه، وأخويه حسن ومصطفى اللذين ماتا من شدة الحريق أيضاً"، وتداول على أوسع نطاق في مواقع التواصل لقوائم الشهداء والجرحى بين مستشفيات "مدينة الطب" "والشيخ زايد" و"الكرامة"، وكرّاديون يتذكّرون صديقهم الخلوق "فريد بهنام حنا"، وآخرون ينتشلون جثثاً جديدة بعد 18 ساعة من التفجير، فتسقط من قماشة نقل الضحايا يد أو رجل أو شيء من الصدر.
موقف الحكومة برغم إعلان الحداد واستنكار المسؤولين فيها، مثّل أبلغ تعبير عن فشل النخبة السياسيّة العراقيّة في قيادة البلد: "Game Over" يا أحزاب الفشل، ونحن نقترب من لحظة الانهيار الكامل التي سيجرف فيها غضب الناس كلّ شيء، بعد 13 عاماً من القتل والفساد والعنف.
هل يستحق بلوغ محطّة نهاية الخراب العراقيّ، لو كان هناك أمل فعلاً، هذه الدماء والعزاءات والنعوش التي أتعبت أكتافنا بحملها؟ لا أحد بعد اليوم من الناس الاعتياديين يكترث بكذبة اسمها "العملية السياسيّة"، فهذه مهزلة المهازل في عراق الحاضر، ولا أحد يعنيه صندوق اقتراع مصمّم سلفاً لفوز أتباع رجل الدين الفلاني وزعيم الصفقات العلاني، بقوّة المال المسروق وفوهات البنادق المتأهبة لتصفية من تريد.
الكرّادة الشهيدة، عار يلاحق أمراء الطوائف، وصراخ الأمهات سيهدّ البلد على من فيه، وإن تأخّر انفجار البركان.
الجميع مدانون أمام ما يحصل، فالعراق ذاهب إلى أن يُفني أبناءه. لأنّ دمعة أمّ واحدة ظلّ نحيبها يهزّ الكرّادة حتى الصباح، أغلى وأصدق من مظلوميات الشيعة وهواجس السنّة من التهميش والإقصاء، وأحلام الأكراد وتنظيراتهم عن دولة مستقلة تجمعهم.
بعد هؤلاء الشباب الوسيمين الذين بكتهم بغداد، لا بدّ من بداية جديدة وإن كانت على الأنقاض، لا أن نظلّ ننحب من دون وضع للنقاط على الحروف، وأوّلها ألّا يستمرّ النهج نفسه، بتقاسم السلطة بين شيعة وسنّة وأكراد، وإلا فعلى العراق السلام، لأنّ "الصُّلبان طُبعتْ بالنار ودُقّت على الصدور. دُحرج هذا، جُنّز، العالم صندوق!"، كما أبلغنا أنسي الحاج ذات يوم في "رحلة تفقّد".




إعدام 5 مدانين بالإرهاب

أفادت وزارة العدل العراقية، أمس، عن تنفيذ حكم الإعدام بحق 5 مدانين بتهم الإرهاب، إثر التفجير الدامي في منطقة الكرادة، في وقت كشفت فيه مصادر مقرّبة من الحكومة العراقية أنه جرت إقالة عدد من كبار المسؤولين الأمنيين والاستخباريين في الكرادة «استجابة لمطالب أهالي المنطقة بمحاسبة المسؤولين عن وقوع التفجير». وقدمت وزارة العدل، في بيان، تعازيها لعائلات ضحايا الهجوم، معلنة «تنفيذ حكم الإعدام بحق خمسة من المدانين صباح هذا اليوم (أمس)، ليصبح العدد بالإضافة إلى ما أعلنّاه بالأيام السابقة 37 تنفيذ إعدام في خلال الشهرين الماضيين». ورفضت الوزارة «بشكل قاطع أي تدخل سياسي أو دولي يطالب بإيقاف أحكام الإعدام تحت غطاء حقوق الإنسان أو أي غطاء آخر».
(الأخبار)