في خطوة هي الأولى من نوعها، فجّر وزير الداخلية العراقي محمد سالم الغبان مفاجأة من العيار الثقيل، بإعلان استقالته من منصبه، على خلفية التفجير الدامي الذي ضرب منطقة الكرادة فجر الأحد وخلّف مئات الضحايا، خصوصاً أنه لم يسبق لمسؤول أمني عراقي رفيع المستوى أن قدّم استقالته من منصبه على خلفية تفجير أو حدث أمني، حتى مع سقوط ثلاث مدن عراقية بيد «داعش» صيف عام 2014.

وقال الغبان، في مؤتمر صحافي عقده ظهر أمس وجرى الترويج له إعلامياً منذ الصباح، إنه قدم استقالته إلى رئيس الحكومة حيدر العبادي، مشيراً إلى أنه كان يتوقع أن يعقد اجتماعاً مع العبادي، في أعقاب التفجير في حي الكرادة، لكن نظراً إلى عدم عقد هذا الاجتماع «لجأت إلى الإعلام، وأنا أمام الناس أتحمّل كل شيء».
وأوضح الغبان أنه خوّل الوكيل الإداري للوزارة عقيل الخزعلي (ينتمي إلى حزب «الدعوة») بتسيير الأعمال، لحين بتّ العبادي استقالته أو تعيين بديل منه، مضيفاً أنه ينتظر قراراً من العبادي يتعلق بإصلاح جهاز الأمن أو قبول الاستقالة.
وحذر الغبان الذي ينتمي إلى «منظمة بدر» بقيادة هادي العامري ــ الرجل الثاني في «الحشد الشعبي» ــ من أن التفجيرات والمعاناة الأمنية ستستمران إذا بقي التقاطع بين الأجهزة الأمنية. وبشأن تفاصيل الحادث الإرهابي، أشار إلى أن السيارة المفخّخة التي انفجرت قدِمت من ديالى، موضحاً أن منطقة التفجير كانت تحتوي على مواد سريعة الاشتعال كالعطور والملابس.

استبعدت مصادر أن يوافق العبادي على استقالة الغبان

مع ذلك، استبعدت مصادر تحدثت لـ«الأخبار» أن يوافق العبادي على استقالة الغبان، مشيرة إلى أنه قد يعمد إلى إقناعه بضرورة سحبها والاستمرار بمزاولة عمله، نظراً إلى صعوبة المرحلة، وعدم وجود الشخصية التي يمكن التوافق عليها لشغل المنصب. ورجحت المصادر أن يتولى العبادي مهمة وزارة الداخلية بالوكالة إلى حين انتهاء الدورة الحالية للحكومة، في تكرار لسيناريو الولاية الثانية لرئيس الحكومة السابق نوري المالكي عندما بقيت وزارات الداخلية والدفاع والأمن الوطني، فضلاً عن جهاز المخابرات، تدار بالوكالة.
ومنذ توليه منصبه في الحكومة الحالية، ركّز الغبان في تصريحاته الصحافية على إصلاح الجهاز الأمني ومكافحة الفساد المالي والإداري داخل وزارته، ودخل في إشكالات وصدامات مع فصائل في «الحشد الشعبي»، إضافة إلى «التيار الصدري»، خصوصاً بعد أحداث التظاهرات الأخيرة واقتحام البرلمان.
ولكن تداعيات حادث الكرادة لم تقف عند هذا الحد، فالتفجير الذي وصفته اللجنة الأمنية في مجلس محافظة بغداد بأنه الأعنف منذ عام 2003، دفع رئاسة الجمهورية إلى إعلان عزمها على رفع دعوى قضائية ضد وزارة العدل بتهمة التشهير والتضليل. وذكر بيان للرئاسة، نشر على موقعها الإلكتروني، أن «رئيس الجمهورية فؤاد معصوم، صدّق على جميع ملفات الإعدام الخاصة بجرائم الإرهاب، التي استهدفت المواطنين العراقيين». ورأى البيان أن «الاتهامات الصادرة عن وزارة العدل، التي زعمت وجود نحو 3 آلاف محكوم بالإعدام في سجونها لم تُصدِّق رئاسة الجمهورية على أحكامهم ، باطلة ولا أساس لها من الصحة».
وكانت وزارة العدل قد أعلنت، أول من أمس، تنفيذ أحكام الإعدام بحق مدانين بتهمة القتل وإرهاب المواطنين، فيما تبيّن لاحقاً أنهم ليسوا من المدانيين بجرائم إرهابية، وذلك بعد ساعات على توجيه العبادي بالإسراع في تنفيذ أحكام الإعدام بحق من صدرت ضدهم هذه الأحكام بتهمة الإرهاب. وقال مصدر في وزارة العدل لـ«الأخبار»، إن وزارته لا يمكنها القيام بتنفيذ أحكام الإعدام الصادرة بحق الإرهابيين إلا بعد تصديق رئيس الجمهورية، وإطلاق يد الوزارة من قبل الادعاء العام، مؤكداً مضي الوزارة بتنفيذ الأحكام بالإعدام وفق القوانين.
في غضون ذلك، كشف القيادي البارز في المجلس الأعلى الإسلامي العراقي وقائد سرايا «أنصار العقيدة» جلال الدين الصغير، أن تنظيم «داعش» استخدم مادة «النابالم» في تفجير الكرادة، لا مادتي «سي فور» أو «تي ان تي». وقال في بيان، إن «معطيات الانفجار وعدم إحداثه أي تأثير أو ضرر في الشارع، في وقت كان فيه الحريق هائلاً ومقاوماً للإطفاء، لا يحاكي إلا مادة واحدة أساسية جرى استخدامها، هي النابالم أو ما يشابهها، وهي مادة أشبه بالجيلاتينية تتكون من البنزين المحوّل إلى جل، مع إضافة مواد كيميائية أخرى».
ومنذ يوم الأحد الماضي، يقصد الكثير من المواطنين والصحافيين والإعلاميين العرب والأجانب مكان التفجير الذي أحدث أضرار كبيرة، وأدى إلى إحراق عدد من المحلات التجارية، فيما شهد تعليق لافتات من قبل فعاليات دينية وسياسية وشعبية منددة بالتفجير، كذلك اقترح ناشطون شراء المبنى الذي تضرّر من التفجير وتحويله إلى متحف.





«ذي غارديان»: نحن ساعدنا في تدمير العراق
رأت صحيفة «ذي غارديان» البريطانية في افتتاحيتها التي كرّستها، أول من أمس، لتفجيرات حيّ الكرادة، أنّ هذه الأحداث هي تذكير بالحرب التي استمرت 13 عاماً عقب الغزو الأميركي ــ البريطاني للعراق عام 2003 والتي قتلت الكثير من الناس، معظمهم من المدنيين.
وبينما يُنتظر صدور تقرير تشيلكوت بخصوص مسؤولية الحرب على العراق، اعتبرت الصحيفة أن ما أشارت إليه «ليس معناه إعادة مقاضاة قرار الذهاب للحرب»، موضحة أن «تقرير تشيلكوت سيكشف الكثير عن ذلك وفي وقت لاحق من الأسبوع (اليوم)». لكنها أكدت أن المسألة هي أن «القرارات الخاطئة للذهاب إلى الحرب يكون ثمنها أكثر فداحة من أي نوع آخر من الأخطاء، وللتذكير بالثمن الذي دفعه الشعب العراقي». وأشارت الصحيفة إلى أن «ما يمكن أن تقوم به بريطانيا هو الاستمرار في توفير المساعدات والتأكد من وصولها إلى مستحقيها»، مضيفة أن «الحرب سبّبت تشريد ثلاثة ملايين من المدنيين، وعلينا أن نتذكر التزاماتنا تجاه هذا البلد الذي ساعدنا في تدميره».
(الأخبار)