تأتي الموجة الإستيطانية الأخيرة التي وافق عليها المجلس الوزراي المصغر (الكابينت)، في الأيام الماضية إمتداداً لسياسة الإستيطان التي قامت عليها دولة إسرائيل. فالإستيطان الذي جاء هذه المرة على شاكلة بناء ٨٠٠ وحدة في مستوطنة «معاليه أدوميم» القريبة من القدس، وفي أحيائها «راموت» و«جيلو» و«هار حوما»، هو هدف إسرائيلي بحد ذاته، وجزء من إستراتيجية أوسع من جهة أخرى. الإستيطان هو هدف حكومة العدو، لكونه جوهر الحركة الصهيونية الذي يقوم على جمع يهود العالم ضمن وطن قومي قائم على أرض فلسطين. وجرى ويجري ذلك بشكل تدريجي وبما يتلاءم مع الظروف السياسية. وتمثّل الوحدات الإستيطانية ترجمة لإستراتيجية ترمي إلى بلورة البنية التحتية لتوسيع سيطرة الدولة وتثبيت الوضع القائم في الضفة.

مع ذلك، ما تقدّم ينطبق على كل مراحل الإستيطان، ويصلح ليكون إطاراً جامعاً يفسر حاضر الإستيطان ومستقبله. وعلى قاعدة أن الرد الناجح هو الرد الهادف والمدروس الذي يخدم الأولويات التي يتبناها أي طرف، تعتمد إسرائيل سياسة الموجات الإستيطانية كرد على العمليات التي ينفذها الفلسطينيون ضد الإحتلال.

٥١٪ من الإسرائيليين يؤيدون ضمّ الضفة إلى إسرائيل

من جهة اخرى، تمثل الموجات الإستيطانية رسالة إلى الطرف الفلسطيني بأن المزيد من العمليات يعني المزيد من الإستيطان، وبالتالي توسيع نطاق تهويد الأرض. وبمعادلة الربح والخسارة، يريد العدو الإيحاء بأن نتائج النهج المقاوم سترتب المزيد من التكلفة على الشعب الفلسطيني، بدلاً من أن يكون مصدر تهديد تعمل «الدولة» إلى تحويله إلى منبع لفرص إستيطانية. ويتجاوز العدو بذلك التمييز بين النتائج الفورية لأي عمل التي قد تتداخل فيها الأثمان والجدوى، وأهدافه البعيدة المدى. وينطبق هذا المفهوم على كافة أشكال المقاومة في كل الساحات.
وكانت الموجة الإستيطانية الأخيرة، وما سبقها، أحد أوجه تثمير المراوحة السياسية التي فرضتها الشروط التعجيزية الإسرائيلية على السلطة الفلسطينية، التي حالت دون التوصل إلى إتفاق نهائي على القضايا العالقة بين الطرفين. فالمراوحة هدف لجهة تكريس الوضع القائم ومنع الإنتقال الى تسوية نهائية قبل إستكمال مخطط فرض الوقائع، وهي مدخل لتنفيذ هذا المخطط وصولاً إلى الواقع المؤمل إسرائيلياً منه، عبر الموجات الإستيطانية المتتالية.
وتسعى هذه الموجات أيضاً، إلى قطع الطريق على توفير الأرضية التي تسمح بإقامة كيان سياسي فلسطيني، يحمل إسم الدولة، وفق سقف إتفاق اوسلو وما تلاه من سقوف تفرعت عن نهج التسوية. وفي هذا المجال تعتمد اسرائيل سياسة مزدوجة، على مستوى الشعار يتبنى رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو مبدأ الدولة الفلسطينية، بشروط لا يبقي منها الا إسمها، ومجردة من كافة مقومات الدولة. وعلى الخط الثاني، تمارس إسرائيل سياسة فرض الوقائع بما يحول دون إقامة هذه الدولة المفترضة.
وبحسب الأماكن التي شملتها الوحدات الإستيطانية، فهي تسعى إلى مواصلة سياسة تهويد القدس، وتحديداً القدس الشرقية، التي تأتي على رأس قائمة الأولويات الإسرائيلية. ومن جهة أخرى، شطباً لأي رهان أو إفتراض فلسطيني أنه يمكن في المستقبل تحقيق قدر من الشعار الذي ترفعه السلطة حول إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية.
إلى ما تقدم، تأتي الإعتبارات السياسية الظرفية التي عادة ما تؤثر في بلورة وتوقيت هذه الخطوات، وهو ما يبدو أنه حاضر أيضاً بقوة وخصوصاً بعد إنضمام أفيغدور ليبرمان إلى الحكومة، وتوليه منصب وزارة الأمن، بدأت مرحلة جديدة – قديمة، من التنافس الداخلي بين أطراف معسكر اليمين. وتندرج هذه الموجة الإستيطانية، في توقيتها، في إطار محاولة إحتواء مفاعيل العمليات على الواقع الجماهيري ومعسكر اليمين تحديداً، ومحاولة لإحتواء المزايدات داخل الحكومة بين أطراف المعسكر اليميني المتطرف. ويريد نتنياهو قطع الطريق على منتقديه ورفع رصيده في سياق السجال والتنافس على الجمهور اليميني.
في هذه الأجواء، كشف إستطلاع «مؤشر السلام» الذي يجريه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، وجامعة تل ابيب، أن ٣٢٪ من الجمهور في إسرائيل أعربوا عن تأييدهم لضم الضفة المحتلة إلى إسرائيل من دون منح الفلسطينيين أي حقوق. فيما أيد ١٩٪ ضم الضفة ولكن مع منح الفلسطينيين حقوقاً متساوية للإسرائيليين. ما يعني أن ٥١٪ يؤيدون ضم الضفة إلى إسرائيل. فيما رأى ٢٣٪ إنهم لا يعارضون بقاء الوضع على حاله. وهكذا تكشف هذه النتائج أن أغلبية الإسرائيليين يعارضون حل الدولتين وإمكانية قيام دولة فلسطينية. على خط مواز، أقر ٥٧.٥٪ أن تطور الأوضاع في الضفة الغربية أساء لوضع إسرائيل السياسي، بينما رأى ٣٠.٥٪ عكس ذلك. أما على المستوى الأمني، فقد رأى ٤٤.٥٪ أن التطورات في الضفة حسّنت الوضع الأمني الإسرائيلي، بينما رأى ٤٤٪ أنها أساءت للوضع الأمني. كذلك، اشار ٥١.٥٪ من المستطلعين اليهود إلى أن المستوطنات دعمت المصلحة القومية الإسرائيلية، بينما اعتقد ٣٩٪ عكس ذلك.




دانت وزارة الخارجية الأميركية على لسان المتحدث باسمها، جون كيربي طرح إسرائيل خططا لبناء مئات «الوحدات السكنية في مستوطنات إسرائيلية بالضفة الغربية والقدس الشرقية». وقال كيربي إن «صح هذا التقرير، فسيكون أحدث خطوة في ما يبدو أنها عملية ممنهجة للإستيلاء على أراض وتوسيع المستوطنات وتقنين أوضاع مواقع إستيطانية، وهي في الأساس تقوض الإحتمالات الخاصة بحل الدولتين». من جهته، رفض رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الإنتقادات الأميركية لقرار حكومته. وقال في مؤتمر صحافي مع الرئيس الرواندي بول كاغامي إن «ما يُبعد السلام ليس البناء في القدس ومعاليه أدوميم، وإنما التحريض المستمر ضد دولة اسرائيل، ورفض جيراننا خوض مفاوضات سلمية معنا».
وفي السياق نفسه، قال وزير الأمن أفيغدور ليبرمان إنه عاقد العزم على مواصلة الإستيطان في الأراضي الفلسطينية. وأوضح خلال زيارته بيت حاخام قتل في إطلاق نار على سيارته الأسبوع الماضي في الخليل، جنوبي الضفة، أنه يعتزم «مواصلة بناء المستوطنات والحفاظ على أمن المستوطنين»، بحسب الإذاعة الإسرائيلية العامة. وقال «لا يكفي إتخاذ إجراءات دفاعية في التعامل مع الإرهاب، بل يجب قطع رأس الأفعى».