على أكثر من ٢٠٠ دونم، تمتد معاناة مخيم شعفاط، الواقع شمال مدينة القدس المحتلة، بعدما أقيم عام ١٩٦٥ برعاية «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ـــ الأونروا» والحكومة الأردنية، لإيواء اللاجئين المهجرين من قراهم ومدنهم الفلسطينية، واستعداداً لاستقبال المبعدين من حارة الشرف في البلدة القديمة، التي ستفرغ من أهلها قبل حرب ١٩٦٧ لتكون جاهزة لاستقبال المحتل الجديد.

مع مرور الوقت، بدأت معاناة شعفاط وسكانه تنعكس على الواقع المعيشي. فالمخيم الذي كان يتسع أول تأسيسه لثلاثة آلاف لاجئ، صار اليوم يؤوي، بالإضافة إلى المناطق التي نشأت على أطرافه نتيجة الزيادة السكانية، ما يقارب ٩٠ ألف نسمة! لم تقتصر المعاناة على الزيادة السكانية على رقعة الأرض الضيقة، بل في ٢٠٠٣ بدأ العدو الإسرائيلي قضم جزء من أراضي المخيم، بسبب بناء جدار الضم والتوسع العنصري الذي فصل المنطقة عن القدس، وجعل شعفاط أشبه بـ«غيتو» كبير يتحكم جنود العدو بدخول السكان إليه وخروجهم منه عبر حاجز عسكري كبير.

ترفض بلدية الاحتلال جمع نفايات المخيم، ما يجبر سكانه على حرقها

وفي ظل استمرار هذا الواقع، ووجود الجدار الذي تصادف هذه الأيام الذكرى الثانية عشرة لقرارات محكمة لاهاي الدولية بعدم مشروعيته ووجوب إزالته وتعويض الفلسطينيين المتضررين منه، بالإضافة إلى تنصل «الأونروا» من أداء واجباتها في المخيم، بدأت ترتسم الصورة الكبرى للمعاناة.
بلدية الاحتلال الإسرائيلي في القدس، التي يُعَدّ شعفاط جزءاً من حدودها لم تعد تقدم إلى سكانه الخدمات الواجبة عليها، كجمع النفايات والتخلص منها وتمديد مجاري الصرف الصحي وتعبيد الشوارع، فيما السلطة الفلسطينية ترى المخيم «خارج التغطية».
لم يعد هناك خيار للسكان إلا حرق نفاياتهم التي يبلغ وزنها ٢٢ طناً يومياً، ما سبّب انتشار عدد من الأمراض كالحساسية لعشرات السكان المحيطين بمكبّ النفايات التابع للمخيم. وبرغم المبادرات المحلية التي تمثلت بشراء حاويات بلاستيكية كبيرة ونشرها في الشوارع، فإن بلدية الاحتلال لم تساعدهم في إفراغها أو تدويرها.
ولأن الجدار حوّل المخيم إلى سجن كبير، لم تعد هناك أراضٍ للبناء عليها واحتواء الكثافة السكانية المتزايدة. ولم يجد سكان المخيم طريقة إلا بالتوسع العمودي، فوصلت طبقات بعض البنايات إلى عشرة أو أكثر، علماً بأن أحد المهندسين، ويدعى جمال عمرو، يشرح أن «بنايات المخيم تفتقر إلى الأمان، لكون أساساتها غير متينة، وبناؤها تجاري بحت، ما يجعلها آيلة للسقوط».
واللافت أن العدو يسمح لأهالي المخيم بالبناء عشوائياً دون أي مساءلة قانونية حول تراخيص البناء، وذلك لدفع الناس إلى الشراء خارج حدود المخيم والبناء فيها، كي يخرج أكبر عدد ممكن من المقدسيين خارج الجدار، وبذلك يصير له القول إن «سكان المناطق التي يلتف حولها الجدار هم سكان الضفة المحتلة وليسوا مقدسيين»، يوضح عمرو.
ليست الكثافة الكبيرة والفقر المدقع المشكلتين الوحيدتين، بل يهرب بعض سكان شعفاط من واقعهم السيئ عبر تعاطي المخدرات التي صارت تباع على أبواب بعض المدارس. ومما زاد هذه الظاهرة غياب القانون عن المخيم، وتحديداً القوى الشرطية، سواء الفلسطينية أو الإسرائيلية.
يقول منسق «اللجنة الوطنية لمقاومة التهويد»، خضر الدبس، وهو أحد سكان شعفاط، إن «المخدرات انتشرت في شعفاط منذ أواخر السبعينيات، والاحتلال يتساهل في التعامل مع تجار ومتعاطي المخدرات في السنوات الماضية، إلى حد بدأت تتسرب فيه هذه الآفة من المخيم إلى المستوطنات المحيطة به، وهنا بات الاحتلال يضرب بيد من حديد إذا ما حاول أحد تجار المخدرات تسريب بضاعته إلى المستوطنات».
كذلك صارت ظاهرة انتشار السلاح من المشكلات التي تسبب القلق الدائم لسكان المخيم. يقول البدس: «في شهر واحد قتل في المخيم شخصان بالسلاح غير الشرعي الذي تتغاضى سلطات الاحتلال عن انتشاره، لكونها تعلم أنه لا يخرج لمقاومتها بل يخرج ليخدم العصبية القبلية».
ورغم وضع المخيم البائس، فإن بعض المبادرات المحلية تحاول إنقاذه، وهناك عدد من الفعاليات التي ينفذها الحرصاء على المخيم للحد من انتشار المخدرات. وأخيراً، افتتح مركز لعلاج الإدمان ومركز شبابي للعناية بالشباب، كذلك تحاول لجان شعبية ملاحقة تجار المخدرات، ويتطوع سكان المخيم في حملات لتنظيف الشوارع، وأنشئ بمبادرة محلية أول فريق إسعاف، بالإضافة إلى مركز نسوي لتأهيل النساء.