كأنّ أروقة وزارة الخارجية في مصر صاخبة بـ«إنجاز» كبير حققه سامح شكري، الذي عاد بـ«نتائج مثمرة»، كما تصف مصادر مطلعة كشفت أن اللقاء مع رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، لم يكن وحده الحدث الأهم، بل ثمة «لقاءات غير معلنة أجراها شكري مع ممثلين للمعارضة الإسرائيلية ضمن مساعي القاهرة لتسويق فكرة حل الدولتين وإقناع الأحزاب الإسرائيلية المختلفة بهذه الفكرة». تؤكد تلك المصادر أن زيارة شكري جاءت بناءً على طلب مباشر من رئيس الحكومة الإسرائيلية، وهو ما وافقت عليه القاهرة، لكن بعد التنسيق لزيارة شكري لرام الله للقاء رئيس السلطة، محمود عباس، وعدد من قيادات حركة «فتح»، ليخرّج المشهد كأنّه علاقة ندية قائمة على الاشتراطات!

برغم ذلك، لا يخفى لدى سياسيين مصريين كثر، اطلعت «الأخبار» على مواقفهم، أن الزيارة تأتي في إطار تنسيق أوسع تنوي به القاهرة «استعادة مكانتها الدبلوماسية»، بعدما غابت عن الحسم أو حتى الوساطة، في ساحات أخرى كسوريا وليبيا والخليج. إذن، هي مكانة تسعى إليها مصر من البوابة الفلسطينية، مرتكزة على غزة المخنوقة بين يديها، وعلى أن النجاح في هذا الأمر قد يكون مضموناً عبر «إتمام تنسيقات إسرائيلية داخلية، ومصالحة فلسطينية داخلية بين فتح وحماس تُثمر حل الدولتين».
هذه الرؤية «الطموحة»، يقول هؤلاء، يسعى «الجنرال» عبد الفتاح السيسي إلى تسويقها لدى مختلف الأطراف، عبر تقديم تنازلات من جميع الأطراف، بعدما حصل على تعهدات من عدة دول عربية بالمشاركة في العملية ككل في حال موافقة الأحزاب الرئيسية في الحياة السياسية في إسرائيل على إتمام حلّ الدولتين، وأن تعلن الدولة الفلسطينية وعاصمتها «القدس الشرقية»، من ثم تبدأ مرحلة «إتمام علاقات تطبيع رسمية واسعة مع البلاد العربية».
فضلاً عن القضية الثانية، وهي ترسيم الحدود البحرية من أجل تقاسم الغاز كخطوة لاحقة للتفاهمات مع إسرائيل، يواصل السيسي دور عرّاب السلام لاكتساب مكانة دولية، وهو يولي هذه القضية كل الاهتمام، بل إن مكتبه يتابع نقاشات السفير المصري لدى تل أبيب، خاصة بعدما عادت العلاقات بصورة تشبه ما كانت عليه في زمن حسني مبارك.

وعدت دول عربية بتطبيع علني وواسع في حال نجاح السيسي

رغم ذلك، رهن الرئيس المصري المضي قدماً في مشروعه بما سماه لمقربين منه «جدية القيادات الإسرائيلية في التوصل إلى حل الدولتين»، كذلك تعهد لأكثر من جهة بأن تكون أجهزته الأمنية قادرة على إلزام حركة «حماس» تحديداً بنتائج ما سيحدث، فيما أوكل إلى «المخابرات الحربية» وضع تصور كامل لإتمام المصالحة بين «حماس» و«فتح» في خلال الأيام المقبلة، بل طلب التلويح لقيادات «حماس» بإجراءات «رادعة» إذا لم تلتزم الحركة ما يجري التوافق عليه ويضمن «حدود الدولة الفلسطينية وإنهاء الصراع في الشرق الأوسط».
المعلومات التي وصلت «الأخبار» تتحدث أيضاً عن أن زيارة شكري كانت في الأصل أكبر من طلب إسرائيلي، بل اشتراط قبل أن يوافق بنيامين نتنياهو على القدوم إلى شرم الشيخ لعقد قمة ثلاثية تجمعه مع السيسي وأبو مازن، وهي القمة التي سيصل وفد إسرائيلي للترتيب لها قريباً جداً، على أن تكون الشهر المقبل في حال سير الأمور كما تخطط القاهرة. والسبب أن نتنياهو رأى في زيارة شكري دافعاً لتقوية موقفه في وجه الأصوات الرافضة للعودة إلى المباحثات.
أكثر من ذلك، تؤكد المصادر أن السيسي أبلغ الأحزاب الإسرائيلية عبر شكري أنه «لن يتردد في زيارة تل أبيب في حال إتمام السلام»، لكنه أوضح أن رغبته في «إقناع المعارضة الإسرائيلية» مشروطة بأن تظهر كمطلب إسرائيلي مشترك وليس تعبيراً عن موقف يمثله نتنياهو، حتى «يضمن التزام أي حكومة مقبلة استمرار الاتفاق».
ولم يتضح لم ركز السيسي عبر وزيره على تحذير الإسرائيليين من «تغلغل داعش في سوريا»، ولكن يبدو أنه لم تغب عن أجندته في موضوع «حل الدولتين» مشكلة الجولان المحتل، رغم أنه أخبر من حوله بأن «الظروف غير مهيأة للحديث في هذه القضية حالياً». مع ذلك، تعهد بالبحث فيها في حال التزام الأطراف كلها ما هو مقترح في السنوات الثلاث المقبلة: «نهاية الصراع العربي ــ الإسرائيلي وإقامة علاقات كاملة مع غالبية الدول العربية».
بالعودة إلى أجندة مباحثات شكري ونتنياهو، فإنها لم تغفل التطورات في أفريقيا والمشاركة الإسرائيلية فيها. الوزير المصري شدد لنتنياهو على أن «مسألة نهر النيل حياة أو موت بالنسبة إلى المصريين»، فيما ردّ الأخير بأن «تل أبيب لن تعمل على دعم إثيوبيا في مواجهة القاهرة»، وبذلك أضاف شكري تعهداً آخر هو تذليل «عقبات التعاون المشترك، خاصة في قضية تصدير الغاز الإسرائيلي إلى الخارج».
أما في الداخل المصري، فظهرت بعض الاعتراضات دون الحجم المطلوب، لكن أبرزها كان من «التيار الناصري»، الذي جدد عبر أحزابه «العربي الناصري» و«الكرامة»، تأكيده أن «إسرائيل لا تزال العدو الأول».





القصف الإسرائيلي في سيناء يتمّ بمباركة مصرية!

بالتزامن مع التواصل المصري ــ الإسرائيلي الواسع، نشرت وكالة «بلومبرغ» الاقتصادية الأميركية تقريراً عن توطيد العلاقات بين الطرفين، يوم أمس، أعاد تلخيص ما صار معروفاً عن مجمل العلاقات على الصعيد السياسي والأمني والاقتصادي. ما كان لافتاً تأكيد التقرير الأنباء وشهادات شهود العيان عن القصف الإسرائيلي في شبه جزيرة سيناء، ومدى ارتباط ذلك بالأجهزة السيادية في القاهرة.
فقد كشف مسؤول إسرائيلي سابق وكبير للمجلة أن «إسرائيل شنّت هجمات جوية عديدة، مستخدمة طائرات من دون طيار في سيناء، خلال السنوات الأخيرة»، وأن «هذه العمليات تمّت بعلم النظام المصري وترحيبه». من ثم عطفت «بلومبرغ» بتصريحات منسوبة لنائب رئيس الأركان الإسرائيلي، الجنرال يائير جولان، قال فيها: «لم تشهد العلاقات بين البلدين تعاوناً قوياً كما في هذه الأوقات».
(الأخبار)