أن تكون مدرسة «عكرمة المخزومي» في حيّ عكرمة الحمصي، مركزاً لتقديم خدمات النادي الصيفي لتلاميذها، أمرٌ يثير التفاؤل بين أهالي المدينة المنهكين بمختلف ألوان الموت. الموسيقى والرقص والرسم أصبحت محطّ اهتمام أطفال المدرسة وأهاليهم صيفاً، بعدما تجرعوا الجزع والألم في وقت سابق. المدرسة كانت قد استُهدفت بتفجير في تشرين الأول عام 2014، كان مثالاً واضحاً على وحشية الإرهاب الذي ضرب المدينة، مخلفاً أكثر من 30 طفلاً شهيداً، من تلاميذ مدرستين متجاورتين في الحيّ. اجتياز دوار الرئيس باتجاه شارع الحضارة في حمص، يُعَدّ من مصاعب حياة الحمصيين. الحاجز المعنيّ بتفتيش السيارات الداخلة إلى الحيّ، يدقّق في كل سيارة، على اعتبار أن كاميرات المراقبة تتربص بعناصر الأمن القيّمين على الحاجز. عدم وجود مرافق من أبناء حمص، قد يفرض على قاصد المدرسة والحيّ سؤال عناصر الحاجز، وهو أمرٌ يثير ريبة الجنود. «من أنتم؟ وماذا تريدون من الوصول إلى المدرسة؟»، سؤال يوجهه أحد العناصر. ليس سهلاً على حماة الحيّ أن يسمحوا لك بالمرور إلى المدرسة، بعدما وقع اللوم عليهم مراراً، عقب استهداف المنطقة بالسيارات المفخخة لأكثر من مرة. ومن غير المتوقع أن يمرّ الأمر دون فحص البطاقة الشخصية والاتصال بالمسؤولين الأعلى رتبة، للحصول على إذن الدخول إلى المدرسة ومحيطها. الدخول إلى المدرسة يشبه الدخول إلى حديقة صغيرة، مزينة بالكثير من نباتات الزينة الخضراء، يخدش نقاءها بعض الورود الصناعية، ما يجعلها تبدو مندسّة بين مخلوقات حيّة، تضفي السكينة على الأطفال المرتادين للمكان. «بحرة» شامية تتوسط البهو، تطلق رذاذاً من مياه مكررة، يعطي برودة محببة في حرّ تموز الخانق.
استشهد 30 طفلاً في تفجير إرهابي عام 2014

الأطفال يتوافدون تباعاً، غير خائفين، بعدما تمكنوا من نسيان أوجاع مدرستهم وآلام فقدان رفاقهم. أولياء الأمور يأتون باسمين، آملين أن يفخروا بأطفالهم الذين تجاوزوا محنتهم وانبروا يعبّرون عن ذواتهم عبر ممارسة الفنون، كلٌّ حسب رغبته. مديرة المدرسة، فاطمة الحسين، الشهيرة بصرامتها وتفرغها التام لخدمة المدرسة ومهنتها، هي عَلَمٌ بالنسبة إلى الحمصيين. يظهر جبروت المرأة الواثقة من نفسها وقدرتها على التعامل مع الأطفال وضبط المدرسة الأشهر في حمص، من خلال استقبالها كل طفل على حدة. قبلة «أوتوماتيكية» تطبعها المرأة على وجنات الأطفال، الذين يعانقونها بودّ حقيقي. ليس خافياً أسلوب المربّية التقليدي التلقيني، غير أنها أضفت عليه بعض أشكال التربية الحديثة، رافضة أسلوب الضرب أو تعنيف الطفل، حسب قولها. تكتفي الحسين، كما تقول، بتهديد الأطفال بنقلهم من المدرسة إلى مكان آخر، وهو «أكثر ما يخيفهم». وهي ترى أن الأطفال تجاوزوا تماماً محنة التفجير بعد تقديم الدعم النفسي والرعاية الكاملة لهم، مؤكدةً أن المدرسة كانت عرضة للإرهاب مرات عدة، ما أدى إلى تدمير أجزاء منها، بعد استهدافها بقذائف صاروخية كانت تُطلق من حمص القديمة، أيام كانت تحت سيطرة المسلحين. المدرسة قامت من تحت الموت والدمار، منذ اليوم الأول، بحسب تأكيد الحسين، إذ بدأت الإصلاحات في المدرسة متهالكة الجدران، ومخلوعة الأبواب والنوافذ، بعد أقل من 24 ساعة على الضربة الإرهابية القاسية. «لم يكن بمقدرونا أن نسمح بعودة الأطفال إلى المدرسة ورؤيتهم لها، على غير ما اعتادوه»، تقول. تجلس المرأة في باحة المدرسة ومن حولها التلاميذ المشاركين في النادي الصيفي. تمهّد لهم بدء الدورات الصيفية للغات والفنون والرياضة، وتستعرض وإياهم مواهب الأطفال الروّاد منهم على مستوى الجمهورية، في مجالات عدة، منها الرياضيات والإعلام واللغة والشعر والخطابة والتمثيل.
أحد الأطفال يقدم أمام رفاقه عرضاً تمثيلياً «مونودرامياً»، يدحض كل الشهادات التي تقول إن الأطفال تجاوزوا المحنة السابقة للمدرسة، إذ يتجول بين رفاقه بسلام مبتسماً، قبل أن يسمع صوتاً ضخماً يلقيه أرضاً، فيجزع من منظر الدم على جسده، ويبدأ رحلة البحث عن رفاقه، فيصرخ باكياً عند رؤيته لهم مصابين وشهداء. قبل انتهاء العرض قد تتفاجأ عندما تعرف أن الطفل ذاته من ذوي الاحتياجات الخاصة، إذ تتميز المدرسة بأنها من المدارس التي اعتمدت دمج الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة مع باقي التلاميذ. يؤدي التلاميذ أغنية من وحي التفجير الإرهابي، ويحيّون رفاقهم الشهداء ويأملون لهم الجنة، معلنين ـ كما الكبار ـ أنّ كل ذلك فداء لسوريا، بحسب كلمات الأغنية. زودت هيئة الأمم المتحدة، مكتبة المدرسة ـ بعد ترميمها ـ ببعض الكتب، فيما قام الأهالي بإكمال بقية الكتب، بالاشتراك مع وزارة التربية. ولا يمكن إغفال نظافة المدرسة التي تختلف عن معظم المدارس السورية الحكومية. كذلك يمكن رؤية محتويات المعرض الذي شارك فيه التلاميذ، في أماكن عدة من محافظة حمص، والمتمثلة بمجسمات شكّلها التلاميذ أنفسهم، من بقايا الزجاج المتكسر، بفعل التفجير، ولوحات تمثّل الجريمة التي تعرضت لها المدرسة، إضافة إلى مجسمات لمبانٍ، وأشكال غريبة عليها آثار دماء، كناية عن الموت الذي خيّم على المدرسة.
كل ما في المدرسة يشي بأن أطفالاً أبرياء كانوا هُنا، وفرغت مقاعدهم الدراسية، على الرغم من تزيين المكان وتلميعه، في محاولة لمساعدة الأطفال على النسيان، ما يفسّر رفض إدارة المدرسة وضع لوحة كبرى عليها صور الأطفال الشهداء وأسماؤهم ـ في بهو المدرسة ـ وهم أكثر ما يفتقده هذا المكان الحزين.