أُشبعت قضية المصالحة التركية ــ الإسرائيلية حديثاً، ودخلت ــ كما هو متوقع ــ في إطار الأمر الواقع حالياً، والنسيان لاحقاً. فلسطينياً، نُظر إلى القضية بقدر اقتراب الأطراف المعنيين من المشروع التركي ــ الخليجي أو ابتعادهم عنه: ما بين معارض شامت، وآخر مبرِّر (مدافع أحياناً)، وثالث ينظّر على الاثنين بأن القضية قرار تركي خالص لا ينبغي أن نتدخل فيه، ومن حق أنقرة تقدير مصالحها (نرغب كثيراً في سماع وجهة نظر هؤلاء لو وقّعت طهران ــ افتراضاً ــ اتفاقاً شبيهاً).

في كل الأحوال، لم يغيّر الاتفاق اصطفاف أيّ من الفريقين ولا اختياراتهما، ولا الاقتناعات بمعنى المعركة القائمة في المنطقة ومسارها، ومغزى التصالح مع إسرائيل في هذه المرحلة. ربما تكون هذه نتيجة طبيعية ما دام كثيرون مقتنعين تماماً بأن حزب الله «يتحالف» مع إسرائيل (عبر روسيا)، وكذلك الموقف المعاكس بالنسبة إلى من يرفض الدور التركي من أساسه.
وسط هذه الضجّة، غاب التنبيه ــ بالأحرى التقريع ــ عن بند عبر عبوراً سريعاً وبعبارة مقتضبة ضمن الاتفاق، وهو التعهد التركي بـ«الحديث» مع حركة «حماس» في قضية «إعادة جثث الجنود الإسرائيليين المفقودين (الأسرى)» في الحرب الأخيرة على غزة. حتى «حماس» التي كان متوقعاً منها أن تصمت عن التعليق على اتفاق المصالحة لأنه اتفاق مع إسرائيل أولاً وآخراً، لم تعلّق على هذا البند، واكتفت بالشكر لتركيا. سألت بعض المطلعين في الحركة، فردّوا بأن «قضية تبادل الأسرى مع العسكر»، ما يعني أن أيّ حديث فيها على المستوى العام لا يساوي حبراً على ورق ما دامت «كتائب القسام» لم تعلن شيئاً. يبدو هذا الكلام معقولاً بحدود العارفين بالعمل التنظيمي، لكن ماذا عن موقفنا ــ شعباً وفصائل ــ من تضمين قضية حساسة في وجداننا كقضية الأسرى (عملية تبادل) في اتفاق «صلح/مصالحة» بين دولة ما وعدونا، في حال كنا نفترض أن إسرائيل عدوّ بكل تفاصيلها؟
إنْ كان من شيء في الحرب الأخيرة قد صبرنا بسببه أو غضضنا بموجبه النظر عن أي أخطاء ميدانية أو سياسية، فهو أن لدى الأعزّاء في الكتائب أسرى إسرائيليين، بغض النظر أكانوا أحياءً أم أمواتاً. كان بإمكان الأتراك أن يطرحوا أنفسهم وسطاء في قضية الأسرى ضمن اتفاق لاحق ومفصول، ولكن ما معنى أن تكون هذه القضية، المرتبطة بعذابات آلاف العائلات على مدار الساعة، جزءاً من اتفاق تضمّن «تنازلات أكبر مقابل تنازلات أقل»؟ هذه الخطوة ستشكك لاحقاً في نزاهة أنقرة في حال قدمت نفسها وسيطاً في عملية تبادل.
صحيح أن مصر ــ الرسميّة حجزت لنفسها هذا المقعد، ولكنها ذهبت وكرّرت الأمر نفسه في زيارة وزير خارجيتها، سامح شكري، حينما نقلت الصحافة العبرية عنه تعهّده بالحديث مع «حماس» في قضية الأسرى. قد يمكن السكوت عن التصرف المصري من باب أن للقاهرة باعاً في الوساطة رغم تقصيرها الواضح في متابعة الاتفاقات السابقة، ومن باب أن السياسة الجديدة لغزة هي أن نلزم الصمت أكثر مع مصر لما لنا معها من ارتباط جغرافي حقيقي، ليس موجوداً مع تركيا، رغم أن هناك من حلم به عبر ميناء عائم، ولم يحصل عليه.
أياً يكن، فإنّ قضية الأسرى يجب أن تكون خطاً أحمر؛ لقد دفعنا جميعاً من دمائنا وأحبائنا وبيوتنا ثمناً مشتركاً، وقدّم شباب المقاومة زهرات أعمارهم من أجل أسر هؤلاء الجنود (يجب أن نذكّر الأتراك بأنهم جنود). لا أعمارنا ولا تضحياتنا مجرد بند يدخله رجب طيب أردوغان على جدول أعماله. وإن رضي بذلك أحدٌ ما في «حماس»، التي يبدو أن قيادة مكتبها السياسي أُطلعت على الاتفاق قبل إعلانه (بدلالة زيارة خالد مشعل ولقائه أردوغان قبلها)، فإننا لا نرضى بذلك، مع أن غياب علم الحركة بذلك لا يقل مصيبة عن العلم به، كأنّ هناك من أعطى الأتراك توكيلاً مفتوحاً بالنيابة عنّا، مقارنة بحرية القرار التي كنا نصرخ بها أمام الإعلام واستقلالنا عن أي «إملاءات إيرانية»! كان مستفزاً جداً قراءة هذا البند، ومستفزاً أكثر السكوت عنه، أقلّها التنبيه وسط «حفلة الشكر» إلى استثناء هذه القضية ورهنها بالأذرع العسكرية، لأننا لن نخسر من أعمارنا وعلاقتنا بالأتراك شيئاً إذا قلناها، لكنه استسلام التحالفات البائس.
الدولة التركية (كما قطر والمنظومة العربية)، بغض النظر عن نيّاتها، لن توصلنا في أحسن الأحوال سوى إلى دولة على حدود 1967، وهو المقترح الإسرائيلي الأصل، الذي بعدما رفضناه، ثم حينما أعلن الإسرائيلي رفضه له، صار مطلباً مشتركاً بين حكام غزة ورام الله! وعد الأتراك خيراً، وكان يحدث بهذا الخير مسؤولون وازنون في غزة، وعدونا أيضاً، بأننا يمكننا الحصول على غزة بلا حصار والعودة إليها لنرى عائلاتنا، بل معها معبر مائي وربما مطار، إذا أظهرنا «حسن النية». اليوم، تبيّن التجربة أن الأتراك لن يوصلوا إلينا في أحسن هذه الأحوال وتلك، إلا مساعدات غذائية وحفّاظات للأطفال. وحتى لا يحاججنا أحد، نحن فعلاً بحاجة إليها إذا كنا نتحدث عن الحاجات اليومية، ولكن لا يعقل أن ندفع من أجلها كل هذا الثمن من كرامتنا ومشروعنا التحرري!
حتى الذين كنّا نصدقهم في مشكلة الانقسام، ونصدّق جزءاً من حديثهم عن أن «فتح» هي الأكثر تعنتاً في حلحلة الشروط بسبب برنامجها «غير النضالي»، صاروا اليوم محل شكّ، لأنهم قبلوا وضع الاتفاق التركي غزة وحدها بعيداً عن القدس والضفة، واختصار قضيتها في حالة «الأنسنة» بعيداً عن أي مشروع تحرر وطني.

هل هدفنا تحويل المقاومة إلى جمعية خيرية وشبابنا يموتون تحت الأرض؟

كيف نتفاهم مع أنفسنا أولاً؟

عموماً، قد يحاجج أحدهم بأنه لا داعي لكل هذه الضجة من أجل اتفاق بين إسرائيل ودولة هي في أفضل الأحوال من الدول «الصديقة»، فضلاً عن أنها لم تعلن من البداية سقفاً عالياً. ولكن هذا يوجب علينا مراجعة حقيقية لمعنى صداقاتنا، وهل هدفنا تحويل المقاومة إلى جمعية خيرية تُعنى بزيادة الصداقات وعدد المتضامنين معنا، فيما يلفظ شبابنا أنفاسهم الأخيرة تحت عشرين وثلاثين متراً أسفل الأرض! أم علينا أن نرضى بمستوى الابتذال الذي قدمه أحد مسؤولي الجمعيات الخيرية في غزة إلى «الأصدقاء» في سلطنة عُمان حينما صوّر نفسه عبر مقطع مرئي بـ«عصا سيلفي» وهو يطوف حول الكعبة ويدعو لهم بطول العمر وبالصحة، ويزيد على الله اشتراطاً بقبول الدعاء لأنه جاء من غزة «المحاصرة».
المشكلة فعلاً عميقة وكبيرة. بعد يوم أو يومين من مساعدة المقاومين في «كتائب القسام» إخوة لهم في «سرايا القدس» انهار عليهم أحد الأنفاق شماليّ قطاع غزة، اندلعت مشكلة أخرى في جنوبي القطاع عنوانها قطعة أرض عملت «حكومة غزة» على تجريف أجزاء منها بحجة أن «السرايا» أقامت موقعاً عسكرياً عليها من دون ترخيص. تلى ذلك «عراك» إعلامي وفي شبكات التواصل الاجتماعي بين أنصار الفصيلين استدعى اجتماعاً قيادياً في غزة لحل المشكلة. بعيداً عن أن «سلطة الأراضي» آخر من يحق له الحديث عن سلامة توزيع الأراضي والحرص على «الثروة الجغرافية» للأجيال المقبلة، ولهذا حديث طويل في سياق ثانٍ، فإن أصغر مشكلة ــ حتى لو كانت تحت عنوان الإعداد لمواجهة العدو ــ باتت تستدعي من ورائها تاريخاً عريضاً من الاختلاف والانقسام.
للمرة الأولى، لم يعنِ لي كثيراً معرفة تفاصيل هذه المشكلة، رغم ما يفرضه واقع العمل الصحافي عليّ من متابعة التفاصيل أولاً بأوّل، لأن لا شيء مختلفاً في طريقة تعاملنا بعضنا مع بعض. حتى لو كان عناصر «الجهاد الإسلامي» مخطئين من «ساسهم لراسهم»، هل سبق في تاريخنا الفلسطيني أن «احتوى الكبير الصغير»، أو أن أقرّ الكبير («حماس» في هذه الحالة) بخطأ في موقعة ما، أو أجبر نفسه على الاعتذار لغيره في حال ثبت له أنه أخطأ؟ على الأقل، كان مما يسرّ أن تقف «القسام» مع «السرايا» ضد الخطوة الحكومية، لعلّ ذلك فاتحة لنبدأ تقدير احتياجاتنا والتماس بعضنا الأعذار لبعض، كما فعلنا بشأن الاتفاق التركي ــ الإسرائيلي، حينما بدأ جزء كبير من نسيجنا الاجتماعي يتدرّب على اختلاق الأعذار للتصالح مع العدو، من دون أن نتقن أولاً كيف نتعايش بعضنا مع بعض.

كيف نتعامل مع حلفائنا؟

الأمر نفسه انسحب على ما سمّته المواقع السعودية «التلاسن» الحمساوي ــ الإيراني، بعد بيان للحركة انتقد تصريحاً لأحد المستشارين (من بين عشرات) في «الحرس الثوري» عن إمكانية/نية لدى «حماس» لفتح خطوط تفاوض مباشر مع إسرائيل عبر تركيا. بعيداً عن فحوى التصريح ومستوى المستشار القيادي، وبعيداً عن أن «حماس» نفسها، عبر نائب رئيس مكتبها السياسي، عبّرت عن إمكانية فتح خط تفاوض مباشر لو لزم الأمر، فإن «الصيد في المياه العكرة» مع الحلفاء، والشكر في اتفاق صلح مع إسرائيل، كانا قاسيين جداً على ذاتنا الثورية. عشرات، بل مئات التصريحات الحمساوية القادحة في إيران والعلاقة معها، غضّت الأخيرة النظر عنها لسنوات، وتصريح إيراني جعل «حماس» تصدر بياناً! متى، حينما كان السعوديون يدعمون «المعارضة الإيرانية» من باريس (إحدى عواصم الاستعمار). قال كثيرون إن البيان بشأن المسؤول الإيراني كان هدفه ألّا يظهر أن بيان «حماس» ضد تركي الفيصل، في اليوم نفسه، هدفه منع وقوع الالتباس وأن يفهم الأمر كأنّه فتح صفحة للعداء مع الرياض وأخرى للتصالح مع طهران.
هذه مقاربة عجيبة لواقع ملتوٍ، نريد أن ننتقد أميراً عربياً وصف مقاومتنا بالفوضى في المنطقة التي يبدو أنها «تعيش بهدوء في رعاية آل سعود»، لكن من دون أن نمسّ «حلم الضيافة في قصر سلمان والصلاة وراءه»، فيما نغامر بعلاقة تاريخية مع حليفٍ واضح كإيران من أجل جملة قالها مسؤول برتبة مستشار! ومع ذلك، سارع «الحرس الثوري» إلى إصدار بيان أشبه بالاعتذار، رغم أن سياسته العامة التقليل من البيانات. أصلاً، من قال إن بيان «حماس» انتقد كلام الفيصل بعمومه، أو حاول الدفاع عن حليفها المفترض (إيران)، بل كان انتقائياً، وردّ تحديداً على ذكر «حماس والجهاد الإسلامي»، ولو لم يقلها الفيصل، لما علّقت الحركة غالباً، بدلالة أن لا أحد انتقد مشاركة وفد فلسطيني في مؤتمر المعارضة الإيرانية! «الجهاد الإسلامي» ذهبت خطوة أبعد في بيانها بعد «حماس»، ولكنها أيضاً تحدثت عن «لوبي صهيوني» داخل المملكة، تاركة «الأمل» على الشعب السعودي (شعب الجزيرة).
في النهاية، هذه تركيا، وهذه السعودية، وهذه مصر، وهذه قطر... وتلك إيران. والثورة تقول إنه يجب ألا تقف مع أعدائك، أو المتآمرين، أو أصدقاء أعدائك، إن كنت ثائراً بحق.